
الرئيس درج على مخالطة العامة في الأسواق والتجمّعات والمساجد..
محللون يؤكدون على أنها رسالة ثقة متبادلة في زمن الحرب..
السفير نادر: لحظة رمزية تعيد تعريف العلاقة بين القائد والجمهور..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
في مشهدٍ خطف القلوب والتقطته عدسات الهواتف قبل كاميرات القنوات، فاجأ رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مواطنين وهم يتحلَّقون حول موائد الإفطار في أول أيام شهر رمضان في أحد شوارع العاصمة الخرطوم، ليترجّل من موكبه وسط تهليل وتكبير المواطنين، ويجلس بينهم دون سابق ترتيب، مشاركاً إياهم “تمرات” الإفطار وأكواب الماء في لحظة عفوية خالصة.
التايم لاين يضجُّ:
خبر إفطار البرهان، لم يبقَ حبيس الشارع الذي شهد الواقعة، إذ سرعان ما اجتاحت المقاطع المصورة منصات التواصل الاجتماعي، وضجَّ بها “التايم لاين” وسط السودانيين في الداخل والخارج، وتلاحقت تعليقات الإشادة والمفاجأة، ووسوم عدة تصدرت التداول، فيما اعتبر كثيرون أن المشهد حمل رسالة رمزية تتجاوز فعل الإفطار ذاته إلى دلالات القرب والمشاركة في زمن الشدة، ففي بلدٍ أنهكته الحرب وتثقل كاهله التحديات، بدا جلوس رأس الدولة على الرصيف بين مواطنيه أقرب إلى صورةٍ معبَّرة تحكي عن تلاقي القيادة والشارع عند مائدة واحدة، بلا حواجز ولا بروتوكولات.
سلوك راتب للبرهان:

والواقع أن هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها،إذ درج البرهان خلال السنوات الماضية على التفاعل والتداخل العفوي مع المواطنين سواءً بتناول الإفطار في الشارع، أو شرب الشاي والقهوة من الأكواب الشعبية، وتناول الزلابية بشاي اللبن، بل وارتشاف (الكركدي) البارد في الأسواق يُلوِّح فيها على المواطنين وهو يقف من على باب سيارته كاسراً البروتكول، وعُرف عن البرهان بخلاف رمضان، اقتحامه الأسواق والتجمعات الشعبية دون ترتيبات معقدة، مثلما حدث في سوق أم درمان، وسوق ليبيا، وسوق الكلاكلة، فضلاً عن حرصه على أداء صلاة الجمعة وسط المواطنين والجلوس إليهم والتفاعل المباشر معهم، وهي مواقف أسهمت في ترسيخ صورة القائد القريب من تفاصيل الحياة اليومية لمواطنيه.
حالة نادرة:
على الصعيد المقارن، تبدو مثل هذه المشاهد نادرة في سلوك رؤساء الدول والحكومات والمسؤولين رفيعي المستوى حول العالم، حيث تحكم البروتوكولات الصارمة تحرّكاتهم، وتفصل بينهم وبين الشارع، طبقات من الإجراءات الأمنية، وحتى في السياق السوداني، لم يعتد المواطنون على مثل هذه العفوية إلا في بعض المواقف المحدودة للرئيس الأسبق جعفر نميري أو الرئيس السابق عمر البشير، غير أن البرهان، وفق مراقبين ظل يمارس هذا النمط بشكل متكرّر، وفي ظرف استثنائي يتسم بهشاشة أمنية فرضتها ظروف الحرب منذ تمرد مليشيا الدعم السريع في الخامس عشر من أبريل 2023م.

بين الرمزية والسياسة:
ووفقاً لمحللين سياسيين فإن رمزية المشهد تتجاوز لحظة الإفطار إلى معانٍ أوسع، فجلوس رئيس الدولة على الأرض بين المواطنين في أول أيام رمضان، دون تنسيق مسبق أو إعلان، يختصر فكرة “المشاركة” في ظرف وطني معقد، ويعكس رغبة في كسر الصورة التقليدية للمسؤول المحاط بالرسميات، وفي بلد يعيش حرباً ضروساً وتحديات سياسية وأمنية واقتصادية، تكتسب مثل هذه اللحظات وزناً مضاعفاً، إذ تمنح الشارع جرعة معنوية، وتعيد صياغة العلاقة بين القيادة والقاعدة الشعبية على أساس القرب لا المسافة.
ثقة متبادلة:

ويرى السفير نادر فتح العليم، الخبير في فضِّ النزاعات والعلاقات الدولية، أن العفوية التي شهدناها في جلوس رئيس مجلس السيادة بين المواطنين على مائدة إفطار عامة، تعكس قدراً عالياً من الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، وقال السفير فتح العليم في إفادته ل(الكرامة) إن اجتماع كل هذه الألقاب والمسؤوليات الثقيلة في شخصٍ يجلس بلا حواجز وسط الناس، يحمل دلالة سياسية ومعنوية عميقة، خاصة في ظل معركة يصفها كثيرون بأنها معركة وجودية للسودان، معتبراً أن مثل هذه التصرفات تعزز الالتفاف الشعبي حول القيادة، وتمنح بُعداً إنسانياً لدور القائد في إدارة مرحلة دقيقة، وأكد السفير أن غياب الترتيبات البروتوكولية المسبقة، من دون بساط أحمر أو احتفالات رسمية، جعل المشهد أكثر صدقية في نظر المتابعين، وأسهم في رفع أسهم البرهان شعبياً، بوصفه قائداً يثق في شعبه ويبادله الشعب الثقة.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر، فإن مشاركة البرهان المواطنين الإفطار في الشارع العام، تحوَّل من وجبة رمضانية عابرة، إلى حدثٍ سياسي واجتماعي حصد تفاعلاً واسعاً وأعاد طرح أسئلة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في السودان المعاصر، وبين من يقرأ الواقعة كرسالة ثقة متبادلة في زمن الحرب، ومن يراها تعبيراً عن نمط قيادي مختلف، يبقى المؤكد أن المشهد نجح في احتلال مساحة واسعة في وجدان السودانيين، وأعاد ولو لبرهة صورة الشارع كمسرح جامعٍ تلتقي فيه الدولة بمواطنيها حول مائدة واحدة، في بلدٍ كالسودان ينهض كطائر الفينيق من تحت الرماد باحثاً عن التماسك والثبات وسط عاصفة من المشاكل والأزمات.



