الأعمدة

كرة القدم في زمنها الجميل

عبد الكريم البليخ
لم تكن كرة القدم، في زمنها الجميل، مجرّد لعبة تُمارَس فوق بساطٍ أخضر، ولا منافسةً تُختزل في أرقامٍ تُعلَّق على لوحات النتائج. كانت ـ في جوهرها العميق ـ امتحاناً للروح قبل الجسد، ومرآةً صافيةً تعكس صفاء النوايا، وصدق الانتماء، ونقاء الرغبة في العطاء. كان الدخول إلى عالم المستديرة أشبه بطقسٍ من طقوس العشق؛ يُقبِل عليه المدرب واللاعب بقلبٍ مفعمٍ بالحلم، لا بحسابات الأرباح، وبشغفٍ صادقٍ لا تلوّثه لغة العقود والرعايات.
حين يكون العطاء نابِعاً من القلب، موجَّهاً نحو هدفٍ نبيل، فإنّه يتجاوز حدود الأداء المهني إلى فضاء الرسالة الإنسانية. كان المدرب يقف على خطّ التماس لا بوصفه موظفاً ينتظر مكافأة نهاية الشهر، بل مربّياً يرى في كل لاعب مشروع إنسان قبل أن يكون مشروع نجم. وكان اللاعب يركض نحو المرمى لا ليضاعف رصيده البنكي، بل ليضاعف رصيده في ضميرِه وضمير جماهيره. لم تكن الشهرة غايةً، بل نتيجةً طبيعيةً لإخلاصٍ طويلٍ في التدريب، وانضباطٍ صارمٍ داخل الملعب وخارجه، وطاعةٍ واعيةٍ للمدرب، وإيمانٍ بأن قيمة الإنسان فيما يُتقن، لا فيما يملك.
ذلك الزمن، الذي نسمّيه اليوم “الجميل”، لم يكن مثالياً بمعنى الخلوّ من العثرات، لكنه كان أكثر صفاءً في مقاصده. كانت الملاعب تضجّ بحناجر لا تطالب بالكؤوس فحسب، بل بالكرامة، وبصورةٍ مشرقةٍ للوطن. كان اللاعب حين يرتدي قميص المنتخب يشعر بثقل الأمانة، وكأنّ قطعة القماش تلك تختزن تاريخاً وهويةً وأحلام أجيال. لذلك ظلّت أسماء النجوم محفورةً في الذاكرة طواعيةً، دون حاجةٍ إلى حملات ترويجٍ أو منصّات تذكير.
من ينسى أسماءً عراقيةً صنعت مجدها بعرقها وإصرارها: رعد حمودي، مجبل فرطوس، مهدي عبد الصاحب، علي كاظم، حسين سعيد، حسن فرحان، جليل حنون، عادل خضير، هادي أحمد، علاء أحمد، فلاح حسن، واثق أسود، دوكلاس عزيز، عدنان درجال، إبراهيم علي، ناظم شاكر، علاء أحمد، أحمد راضي، راضي شنيشل، ناطق هاشم، وأكرم نشأت… كانوا أكثر من لاعبين؛ كانوا وجوهاً لمرحلةٍ آمنت بأن الكرة يمكن أن تكون جسراً بين الألم والأمل. وكذلك في الكويت، حيث سطع جاسم يعقوب، فتحي كميل، فيصل الدخيل، سعد الحوطي، أحمد الطرابلسي، حمد بو حمد، محبوب جمعة، عبد العزيز العنبري، فتحي كميل، عبد الله معيوف، ناصر الغانم، بشارعبدالله، بدر المطوع، وليد علي، مساعد ندا، نواف الخالدي، جراح العتيقي، يوسف ناصر، وغيرهم ممن حوّلوا الملعب إلى مساحة فخرٍ واعتزاز. وفي سوريا، برزت أسماءٌ كنبيل نانو، عبد الغني طاطيش، إبراهيم محلمي، كيفورك مارديكيان، عبد الفتاح حوا، حسين نعال، شاهر سيف، عبد الناصر عباسي، هيثم برجكلي، محمود طوغلي، أنور عبد القادر، جورج نصري، عمر السومة، جهاد الحسين، فراس الخطيب. تحمل في خطواتها مزيجاً من المعاناة والإصرار. أما السعودية وقطر ومصر، فقد زخرت ملاعبها بأسماءٍ باتت جزءاً من الوجدان الجمعي: محمد الدعيع، نواف التمياط، سالم الدوسري، منصور مفتاح، عادل خميس، حسن مطر، مبارك مصطفى، عبد الكريم حسن، المعز علي، وأكرم عفيف، طه بصري، محمود الخطيب، حسن شحاته، طاهر أبو زيد، مجدي عبد الغني، ثابت البطل، ربيع ياسين، عادل مأمور، عصام الحضري، فاروق جعفر، علي خليل، حمادة إمام، محمد أبو تريكة، هاني مصطفى، جمال عبد الحميد، طارق يحيى، حازم إمام، شيكا بالا، محمد عبد الشافي، والقائمة تطول، لأن الذاكرة حين تحبّ، لا تختصر.
ما الذي تغيّر إذن؟
تغيّر الميزان الذي تُوزن به الأشياء. صار الفوز يُقاس بحجم المكافأة، لا بعمق التجربة. وصار بعض المدربين واللاعبين ـ لا جميعهم ـ أسرى نتيجةٍ سريعةٍ ترضي مسؤولاً، أو عقدٍ سخيٍّ يضمن استقراراً مادياً. ليس المال خطيئةً في ذاته؛ فهو ضرورةٌ من ضرورات العصر، لكنه حين يتحوّل إلى غايةٍ نهائية، يُفرغ اللعبة من روحها، ويحوّلها إلى صناعةٍ باردةٍ تُدار بمنطق الربح والخسارة وحده.
في الماضي، كان كثيرون يدخلون هذا العالم وهم يعلمون أنّه قد لا يهبهم ثراءً، لكنّه سيمنحهم معنى. كانوا يدفعون من جيوبهم الخاصة أحياناً، ويتحمّلون مشقّة السفر والتدريب، لأن إثبات الوجود في الميدان كان أعظم من كل حساب. لذلك بقيت أسماؤهم حيّةً بعد أن زالت المليارات، وبقيت صورتهم في الأذهان أكثر رسوخاً من أي رصيدٍ مصرفي. المال يزول، أمّا السمعة الطيّبة فتستقرّ في ذاكرة الشعوب كما تستقرّ النقوش في الحجر.
الكرة، في بعدها الاجتماعي، كانت مساحةً للعدالة الرمزية. الفتى القادم من حيٍّ بسيطٍ كان يستطيع، بموهبته واجتهاده، أن يقف نداً لابن المدينة المترفة. وكانت الجماهير ترى في انتصارات فرقها تعويضاً معنوياً عن خيبات الحياة اليومية. لم تكن المباراة مجرّد تسعين دقيقة؛ كانت لحظة تماسكٍ جمعيٍّ تُذيب الفوارق، وتعيد تعريف الانتماء.
وربما لهذا السبب تحديداً، يحنّ كثيرون إلى ذلك العصر. ليس لأن مهارات اليوم أقلّ، ولا لأن الملاعب فقدت بريقها، بل لأن الإحساس تغيّر. في زمنٍ تتسارع فيه القيم وتُقاس فيه الإنجازات بلغة السوق، يصبح الحنين إلى زمن العاطفة الخالصة نوعاً من الدفاع عن إنسانيتنا. إننا لا نبحث عن ماضٍ مثاليٍّ بقدر ما نبحث عن معنىً ضاع بين الأضواء الصاخبة.
ستظل الكرة العراقية والكويتية والسورية والسعودية والقطرية والتونسية والمغربية والجزائرية والمصرية، وغيرها، شاهدةً على رجالٍ آمنوا بأن المجد لا يُشترى، بل يُنتزع بالكدّ والالتزام. أثبتوا مكانتهم بجدارة، لا لأنهم جمعوا الثروات، بل لأنهم جمعوا القلوب. وحين نستعيد أسماءهم، فإننا لا نستحضر نتائج مبارياتٍ فحسب، بل نستحضر زمناً كانت فيه الروح أسبق من الربح، وكانت القيمة أعمق من الثمن.
ذلك هو الزمن الجميل: زمنٌ لم يكن خالياً من التحديات، لكنه كان ممتلئاً بالمعنى. زمنٌ يذكّرنا بأن الرياضة، في جوهرها، ليست سباقاً نحو المال، بل رحلةٌ نحو الذات، واختبارٌ دائمٌ لما تبقّى فينا من صدقٍ وإخلاص.

زر الذهاب إلى الأعلى