الأعمدة

أسوأ إهانة يمكن أن تلحق بالسلطة القضائية هي اتهامها بأنها تصدر أحكامها بناءً على توجيهات سياسية من أجهزة الدولة

السلطة القضائية وضرورة التوضيح بشأن الاتهام
بالاستجابة لتوجيهات رئيس مجلس السيادة في أحكامها .
كتب/ د. أبو ذر بشير :
أسوأ إهانة يمكن أن تلحق بالسلطة القضائية هي اتهامها بأنها تصدر أحكامها بناءً على توجيهات سياسية من أجهزة الدولة الأخرى، ذلك أن جوهر القضاء يقوم على ضميره الحي وآلياته الداخلية في تصحيح أحكامه، بما في ذلك آليات الاستئناف والطعون أمام المحكمة العليا ودائرة المراجعة. وينبغي أن تعمل هذه الآليات بناءً على قواعد العدالة والتشريعات المنظمة والإحساس الفطري بما يؤدي إلى الإنصاف. فإذا شاب هذه الآليات تأثير خارجي، فإنه يضعف كل منظومة العدالة ويفقد الثقة فيها كطرف محايد يصدر أحكامه بناءً على قواعد القانون وليس على الهوى السياسي. وهذا ما يجعل الخبر الذي نشرته صحيفة الكرامة بخطها العريض بأنه تم إلغاء عقوبة بناءً على توجيهات السيد رئيس مجلس السيادة يستدعي توضيحاً من السلطة القضائية حول مدى صحته.
وبالطبع، فإن هذا لا يعني صحة الحكم الذي أصدره القضاء بالرجم، فهو حكم فيه نظر، ولكن هذا النظر لا يأتي من خارج المنظومة القضائية، وإنما بواسطة وسائلها التي تدعم استقلاليتها وبعدها عن أي تأثير سياسي.
سجل القضاء السوداني في تاريخه صفحات منيرة في تصديه لمحاولات تدخل أجهزة الدولة في أعماله، ومن ذلك استقالة السيد بابكر عوض الله من رئاسة القضاء حين وصف مجلس السيادة قرار القضاء ببطلان حل الحزب الشيوعي بأنه رأي. وقد ذكر في خطاب استقالته: “إنه ليؤلمني أن يكون الدافع الوحيد لهذه الخطوة من جانبي هو موقف مجلسكم الموقر من القضية الدستورية رقم ٩٣/١٩٦٥م. لقد حاولتم في بيانكم الأخير أن تصفوا رأيكم في الحكم بأنه مجرد رأي، وليس رأياً قضائياً، وللمرء أن يتساءل: ما هي المصلحة العامة في أن تبدي هيئة لها خطرها الدستوري، كهيئتكم، رأياً مجرداً في حكم قضائي، وهي تعلم أن هذا الرأي لا يخدم غرضاً من الناحية القضائية؟ كما للمرء أن يتساءل: ما هي الضمانات في أن تكفوا في المستقبل عن إبداء الآراء المجردة في أحكام المحاكم؟ أسمحوا لي أن أؤكد أن الجرح العميق الذي تركه عملكم هذا في الكيان القضائي لن يندمل ما دمتم تقدمون الكبرياء الشخصي على المصلحة العامة ورفضتم أن تسحبوا بيانكم المذكور أو أن تعتذروا عن الخطأ الذي ارتكبتموه.” وما ذكرته صحيفة الكرامة لا يتعلق بإبداء رأي في أعمال القضاء كما في حادثة استقالة السيد بابكر عوض الله، وإنما بتدخل في أعمال السلطة القضائية الأصيلة.
سبق للسلطة القضائية أن أصدرت توضيحات للرأي العام في مسائل أقل شأناً، ومن ذلك البيان الذي أصدرته عندما ثارت بعض الأصوات بأن هناك محاولات لتجفيف مكتبة المحكمة العليا، فنفت ذلك الخبر، وهو نفي في محله. ولكن الأمر الآن أشد وزناً وأكثر تأثيراً ويتسم بدرجة عالية من الخطورة ويمس السلطة القضائية في صميم نزاهتها، مما يستوجب بياناً واضحاً.

زر الذهاب إلى الأعلى