الأعمدة

التكايا بين نارَيِّ الحرب وغياب الدولة… هل صعد المجتمع السوداني أم انكشف؟!

✍️محمد الفاتح حضرة
🧭20 فبراير 2026م
في سلسلةٍ تحليليةٍ لافتةٍ بعنوان :
«كيف قاوم السودانيون الحرب بلا سلاح»، تناول الأستاذ Mohamed Ismail فكرةً جوهريةً مفادها أن الدولة السودانية سقطت، لكن المجتمع صعد، وأن التكايا مثّلت أبرز تجليات هذا “الصعود” الاجتماعي، إذ أطعم السودانيون بعضهم بعضاً حين غابت الدولة وتعطّل العالم.
وقد قدّم قراءةً عميقةً للتكية بوصفها تقليداً سودانياً قديماً، سابقاً للحرب، متجذّراً في الريف والحضر، قائماً على الثقة والسمعة والمعرفة المباشرة بالحاجة، لا على البطاقات والتصنيفات والاستبيانات. ورأى أن ما حدث أثناء الحرب لم يكن اختراعاً جديداً، بل إعادة تفعيلٍ لشبكة تضامنٍ اجتماعيٍّ أصيلٍ، وأن التكايا مثّلت سياسةً أخلاقيةً بديلةً للغذاء حين غابت الدولة وتعطّلت المنظومة الدولية.
هذا طرحٌ يستحق التقدير والإشادة.
لكن… 🤨
أختلف معه في نقطةٍ مركزيةٍ واحدةٍ:
هل صعد المجتمع حقاً؟ أم أنه انكشف؟
نعم، الدولة السودانية انهارت كمؤسسةٍ راعيةٍ، ولم يبقَ منها في كثيرٍ من المناطق إلا وجهها الأمنيّ القامع والجابي للرسوم. هذا توصيفٌ دقيقٌ.
غير أنّ ما شهدناه لم يكن صعوداً مجتمعياً عاماً، بل انكشافاً أخلاقياً واسعاً‼️
إلى جانب التكايا رأينا:
▪️ استغلالاً فاحشاً للنازحين في الإيجارات.
▪️ احتكاراً للسلع ورفعاً للأسعار بلا وازعٍ.
▪️ ابتزازاً عند المعابر.
▪️ نهباً لمنازل الغائبين.
▪️ انتهاكاتٍ مروّعةً بحق المدنيين.
هذه الأفعال لم تصدر عن “الدولة” فقط، بل عن أفرادٍ من المجتمع نفسه.
إذن نحن أمام صورةٍ منقسمةٍ:
جزءٌ قليلٌ حافظ على الضمير،
وجزءٌ واسعٌ سقط في امتحان الأخلاق.
والأخطر من ذلك أن التكايا والمبادرات الخيرية نفسها لم تسلم من بطش الحرب.
ففي مناطق سيطرة الجيش، تعرّضت بعض التكايا والمبادرات للاستهداف والاتهام، وصُنّف بعض القائمين عليها باعتباراتٍ سياسيةٍ خطيرةٍ، وتعرّض بعضهم لانتهاكاتٍ جسيمةٍ ومحاكماتٍ تفتقر إلى العدالة. كما طال القصف في بعض المناطق مساجدَ ومواقعَ مدنيةً وخدميةً، وسقط مدنيون أبرياء في حوادث مؤلمةٍ ما تزال آثارها باقيةً في الذاكرة. 💢
وفي مناطق سيطرة الدعم السريع، تعرّضت ممتلكاتٌ عامةٌ وخاصةٌ للنهب، ولم تسلم بعض المبادرات والمساجد ومخازن الغذاء من السلب والاعتداء، في مشهدٍ يعكس انفلاتاً خطيراً وانتهاكاً لحرمة المجتمع ومقدّراته. 💢
وسط هذا الخراب، رأينا أيضاً مشهداً أكثر تعقيداً:
رأينا أهل خيرٍ من كل المعسكرات.
نعم… بعض القائمين على التكايا كانوا من بيئاتٍ محسوبةٍ على معسكر الجيش،
وبعضهم كانوا من بيئاتٍ متعاطفةٍ مع الدعم السريع،
لكنهم جميعاً، حين وقفوا أمام قدر الطعام، خلعوا عن أنفسهم الاصطفاف السياسي، ولبسوا فقط ثوب الإنسان.
وهنا المفارقة المؤلمة:
السياسة تمزّق،
والجوع يوحّد.
لذلك أرى أن الأدقّ ليس القول إن المجتمع صعد، بل إنه انقسم وانكشف.
انكشف في أسمى درجات النبل،
وفي أسوأ درجات الانحدار.
التكايا تمثّل الوجه المضيء،
لكن السوق السوداء والابتزاز والنهب تمثّل الوجه الآخر.
وإن أردنا مستقبلاً مختلفاً، فلا يكفي أن نبني دولةً قويةً بالقانون،
بل علينا أن نعيد بناء الضمير الجمعيّ،
حتى لا يتحوّل غياب الدولة إلى إذنٍ مفتوحٍ للفوضى،
ولا تتحوّل الحاجة إلى فرصةٍ للابتزاز.
ما جرى ليس مجرد انهيار مؤسساتٍ،
بل امتحان أخلاقٍ سقط فيه كثيرون، ونجح فيه قلةٌ بصمتٍ عظيمٍ.
وهؤلاء القلة هم بذرة الأمل الحقيقي. 🌿
#السودان
#التكايا
#الحرب
#مراجعة_الذات
#محمد_الفاتح_حضرة

زر الذهاب إلى الأعلى