
باسم التحالف السوداني للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان (سودان ديفيندرز)، وبالنيابة عن كل امرأة سودانية تمسك بالقلم لتكتب الحقيقة، أو تضمد جرحًا في عيادة ميدانية، أو توثق انتهاكًا دفاعًا عن العدالة، أو تحمل طورية لتزرع لتطعم الجوعى أو تحتضن طفلها في مخيمات النزوح وتهمس له بأن الوطن لا يموت…
يشرفني أن أخاطبكم في هذا اليوم العالمي للمرأة، الثامن من مارس، الذي يحل هذا العام والسودان يمر بإحدى أقسى المحن في تاريخه الحديث.
إن هذا اليوم ليس مجرد مناسبة للاحتفاء، بل هو لحظة للتأمل والتضامن وتجديد العهد مع قيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.
تحية إجلال لنساء السودان
في هذا اليوم، ننحني إجلالًا وإكبارًا لأرواح النساء السودانيات اللواتي دفعن أثمانًا باهظة في ظل الحرب الدائرة منذ أبريل 2023.
لقد واجهت النساء في السودان واقعًا قاسيًا، حيث وثقت تقارير دولية عديدة أن العنف الجنسي استُخدم كسلاح لإرهاب المجتمعات وتفكيكها، وأن آلاف النساء تعرضن لانتهاكات جسيمة طالت أجسادهن وكرامتهن.
ومع ذلك، لم تكن النساء مجرد ضحايا لهذه الحرب؛ بل كنّ في مقدمة الصفوف، يقاومن الألم بالصمود، ويحوّلن المعاناة إلى قوة.
تحية لكل امرأة نزحت تحت وابل القصف، لكنها نهضت لتكون السند الوحيد لأسرتها.
تحية للأمهات اللواتي يواصلن البحث عن أبنائهن المفقودين رغم اليأس.
تحية للناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان اللواتي يواصلن توثيق الانتهاكات والدفاع عن الحقيقة رغم المخاطر.
هؤلاء النساء هن امتداد حي لروح الكنداكات في التاريخ السوداني؛ نساء يصنعن اليوم فصلًا جديدًا من الشجاعة والصمود في سجل النضال الإنساني.
إرث تاريخي من النضال
إن نضال المرأة السودانية ليس وليد هذه اللحظة العصيبة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الكفاح من أجل الحرية والعدالة والمساواة.
لقد لعبت النساء السودانيات دورًا محوريًا في الحركة الوطنية منذ أربعينيات القرن الماضي، مع بروز التنظيمات النسوية الأولى، ثم تأسيس الاتحاد النسائي السوداني عام 1952، الذي كان علامة فارقة في مسيرة الحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة.
ومنذ ذلك الحين، ظلت المرأة السودانية في طليعة النضال من أجل الحقوق والحريات، وأسهمت في انتزاع حق التصويت والمشاركة السياسية، وكان دخول فاطمة أحمد إبراهيم إلى البرلمان في عام 1965 محطة تاريخية مضيئة في مسيرة النساء في أفريقيا والعالم العربي.
كما واصلت النساء نضالهن في مواجهة القوانين المقيدة للحريات، بما في ذلك التشريعات التي قيدت حقوق النساء وكرامتهن في المجال العام.
إن الحركة النسوية في السودان هي حركة راسخة الجذور، تشكلت عبر عقود من مقاومة الاستعمار والاستبداد، وهي اليوم تواصل نضالها في مواجهة الحرب.
التحديات الراهنة:
ورغم هذا الإرث العظيم، تواجه النساء السودانيات اليوم جملة من التحديات العميقة، من أبرزها:
أولًا: الحرب والعنف المسلح:
حيث تحولت حياة النساء إلى ساحة لمعاناة مضاعفة، سواء عبر النزوح أو فقدان أفراد الأسرة أو التعرض لأشكال متعددة من العنف.
ثانيًا: التمييز الاجتماعي والثقافي:
الذي لا يزال يقيد مشاركة النساء الكاملة في الحياة العامة ويقلل من الاعتراف بأدوارهن القيادية.
ثالثًا: التهديدات التي تطال الحقوق والحريات الأساسية
بما في ذلك محاولات تقييد حقوق النساء في الحياة العامة والخاصة تحت ذرائع اجتماعية أو سياسية.
رابعًا: الإقصاء من عمليات صنع القرار
فعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبته النساء في الحراك المجتمعي والإنساني، لا تزال مشاركتهن في عمليات السلام وصنع القرار دون المستوى المطلوب.
النساء صانعات السلام :
ورغم كل هذه التحديات، تثبت النساء السودانيات يومًا بعد يوم أنهن لسن فقط أكثر المتضررين من النزاعات، بل هن أيضًا الأكثر قدرة على بناء السلام وإعادة ترميم المجتمعات.ففي ظل انهيار العديد من مؤسسات الدولة، كانت المبادرات المجتمعية التي تقودها النساء في مقدمة الجهود الإنسانية؛من تنظيم غرف الطوارئ، إلى توزيع الغذاء، إلى رعاية الجرحى وإيواء النازحين.
إن هذه المبادرات تعكس الوجه الحقيقي للسودان: سودان التضامن، والإنسانية، والقدرة على النهوض من تحت الركام.
نحو مستقبل أكثر عدالة
إننا نؤمن بأن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى دون مشاركة كاملة وفاعلة للنساء.فالعدالة والمساواة ليستا مجرد شعارات، بل هما أساس أي مشروع وطني يسعى لبناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم كرامة الإنسان وحقوقه. إن الحركة النسوية السودانية ليست حركة مطلبية فحسب، بل هي جزء أصيل من مشروع العدالة الاجتماعية وبناء السلام المستدام.
ومن هنا، فإننا نجدد دعوتنا إلى:
● حماية النساء من جميع أشكال العنف والانتهاكات.
● ضمان مشاركة النساء بصورة حقيقية في عمليات السلام وصنع القرار.
● دعم المدافعات عن حقوق الإنسان وحمايتهن من المخاطر.
● بناء مؤسسات دولة تقوم على المساواة وسيادة القانون.
كلمة أخيرة
إن الألم الذي تعيشه النساء السودانيات اليوم لن يكون نهاية القصة. بل سيكون بداية لمرحلة جديدة من النضال والأمل. ستظل النساء في السودان قوة للحياة، وصوتًا للعدالة، وركيزة أساسية في بناء السلام.
كل عام ونساء السودان أكثر قوة وإصرارًا.
كل عام وراية العدالة أكثر إشراقًا.
وكل عام والسودان أقرب إلى الحرية والسلام.
المجد والخلود لشهيدات الوطن
والتحية لكل نساء السودان الصامدات
8 مارس 2026
التحالف السوداني للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان



