وددتُ لو أستطيع أن أقول للتاريخ: تمهَّل قليلاً، دَعنا ننظر في وجهك نظرةً هادئةً مطوَّلة، كما ينظر الرجل إلى مرآةٍ لا تكذب ولا تجامل. غير أن التاريخ لا يتمهَّل، وهو أشدّ قسوةً من أن يرحم المتفرجين على ضفافه. وها هو السودان اليوم يقف في قلب هذا النهر الجارف، لا على ضفافه، يقف والماء يبلغ نحره، وثمة رجلان يصفان له ما ينبغي أن يفعل: أحدهما يريده أن يغوص أعمق، والآخر يمدّ إليه يده ليُخرجه.
أمّا البرهان، فأنا لا أستطيع أن أُلقي عليه تبعةَ الشرِّ كلَّه، فذلك ظلمٌ لطبيعة الأشياء. إن الرجل لم يخترع الاستبداد في السودان، بل وجده جاهزاً كالبيت المفروش، فدخله ولبس أثوابه واسترخى على وسائده. بيد أن الذي يؤاخَذ عليه حقَّ المؤاخذة هو أنه وجد باب الخروج مفتوحاً في ديسمبر المجيد، ورأى شعباً يمدّ إليه يده ليُرافقه نحو الضوء، فأحكم إغلاق الباب من الداخل، وآثر الجلوس في الغرفة المعتمة مع أشباحه.
وهذا هو الذنب الذي لا يغفره التاريخ: ليس أن تكون ضعيفاً، بل أن تكون أمام فرصة العظمة فتختار الصغار.
لقد رأى البرهان في قوات الدعم السريع أداةً في يده كالسكين، ينحر بها ما يشاء، فإذا بالسكين قد انقلبت، وإذا بالسودان كله هو الذبيح. وهذا ليس قدراً نزل من السماء، بل هو حصادٌ طبيعيٌّ لمن يزرع الريح. وفي المقابل كان خالد سلك وغيره من قادة ( صمود) العقلاء، يُطلقون صيحات التحذير، فلم يُصغِ البرهان لأن في طبيعة هذا النوع من الرجال شيئاً عجيباً: إنهم يسمعون الكلام الذي يُريدون سماعه، ويُطرقون آذانهم عن الكلام الذي يُريدونه أن يصمت.
والآن يجلس البرهان على كرسيٍّ فوق ركامٍ ودماءٍ وأحلامٍ محترقة، ويُسمّي هذا الجلوسَ حُكماً، وأنا أُسمّيه شيئاً آخر: أُسمّيه النهايةَ التي تظنّ نفسها بداية.
وأمّا خالد سلك وأمثاله من رجال صمود، فإنني أُقرّ بأنني لستُ ممَّن يُسرفون في المديح، لأن الإسراف في المديح تزييفٌ للصورة وخيانةٌ للحقيقة. لكنني أقول ما أراه بعيني العقل المجرَّد:
إن خالد سلك رجلٌ أدرك منذ البداية حقيقةً يبدو أنها خافيةٌ على كثيرين، وهي أن الدولة لا تُبنى بالصياح، ولا بالحماس وحده، ولا بالغيرة على الوطن وإن صحَّت هذه الغيرة وصدقت. إن الدولة تُبنى بالصبر الطويل والعمل المضني والمؤسسات التي تُشبه أساسات البيت: لا يراها المارّ في الطريق، غير أن البيت لا يقوم بدونها.
وقد خرج هذا الرجل وقادة صمود من السلطة كما يخرج الرجل الشريف من المحنة: بنفسٍ مرفوعة وكفٍّ نظيفة. وهذا في عالمنا العربي وعالم السياسة السوداني تحديداً ليس أمراً عادياً، بل هو من النوادر التي يُستشهد بها.
وحين نظرتُ في مسيرته منذ أيام الثورة وحتى اليوم، رأيتُ رجلاً يُحسن فعلاً واحداً لا يُحسنه كثيرٌ من أهل السياسة: يُحسن أن يبقى على ما قاله بالأمس، وأن يعيش اليوم على وفاق مع ضميره، وألا يستيقظ في الصباح وهو يبحث عن رواية جديدة يُبرِّر بها انقلاباً في مبادئه.
أمّا صمود هؤلاء المدنيين وعلي رأسهم سلك هذا الصمود الذي يبدو للناظر من بعيدٍ ضعفاً لأنه لا يحمل سلاحاً، فهو في حقيقته أقوى ما في المشهد السوداني اليوم. إن الرجل الذي يصمد بكلمته حين تُصادَر كلمته، والذي يبقى على عهده حين يُغري الخيانةَ الربحُ العاجل، هذا الرجل يصنع التاريخ الحقيقي وإن بدا أنه يقف على هامشه.
وها هو المشهد يتشكّل الآن، ببطءٍ كما تتشكّل الحقائق الكبرى دائماً، محلياً ودولياً. إن العالم الذي كان يتعامل مع السودان العسكري بوصفه واقعاً لا مفرَّ منه، بدأ يرى ما كان يتجاهله: أن ثمة سودانَ آخر لا يزال حياً، سودانُ الكلمة والبرنامج
والمشروع الوطني، يتمثَّل في رجالٍ أمثال خالد سلك وبابكر فيصل والمهندس عمر الدقير والقائد ياسر عرمان والمهندس صديق الصادق المهدي والواثق البرير ومحمد الفكي والحاج وراق وجعفر حسن وشريف محمد عثمان وطه عثمان ورشا عوض وحنان حسن ورحاب مبارك سيد أحمد والشريف الحمدابي وغيرهم وعلي رأسهم الدكتور المحترم عبد الله حمدوك الذين لم يشتروا بقاءهم السياسي بالتنازل عن ضمائرهم.
وأنا أعتقد اعتقاداً راسخاً، مبنياً على ما تعلَّمته من قراءة التاريخ لا من التمنّي، أن الطريق المسدود الذي يسلكه البرهان لن ينتهي إلى انتصارٍ بل إلى انكسار، لأن الطرق المسدودة لا تُفضي إلى مكانٍ إلا إلى حيث بدأت، وحين يُدرك السالك ذلك يكون قد أضاع الوقت والدماء والأحلام.
وأمّا الطريق الآخر، طريق المدنية والمؤسسات والعقد الاجتماعي الحر، فهو وإن بدا اليوم وعراً وشاقاً، إلا أنه الطريق الوحيد الذي يُفضي إلى وطن حقيقي لا إلى ثكنةٍ كبرى.
وختاما:
أنا لا أُحبّ الخلاصات المُبسَّطة لأن الحياة أعقد من أن تُختزل، غير أنني أقول:
إن الذي يمشي في الظلام ويُنكر أنه في ظلام، مصيره أن يقع. وإن الذي يحمل مصباحه في الليل الطويل، وإن أبطأت خطاه وكثر المتربّصون به، فإن نوره باقٍ ما بقي الليل.
والسودان يستحق النور. شكرا خالد سلك .. شكرا حمدوك. مقال دكتور كمال محمد الأمين



