
الرياض ترمي بثقلها في العواصم القريبة الخرطوم..
المباحثات مع سلفا كير تناولت الأزمة السودانية..
اهتمام سعودي خاص باستقرار السودان و البحر الأحمر..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
في سياق حراكها الدبلوماسي المتسارع في القارة الأفريقية، قام نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي بزيارة رسمية إلى عاصمة جمهورية جنوب السودان مدينة جوبا، وعقد الخريجي خلال الزيارة مباحثات مع الرئيس الجنوب سوداني سلفاكير ميارديت، إلى جانب لقاءات مع مسؤولين في الحكومة، وتأتي الزيارة ضمن جولة إقليمية بدأها الخريجي من أديس أبابا، حيث التقى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، وبحث معه سبل تعزيز العلاقات بين المملكة والاتحاد، واستعراض القضايا ذات الاهتمام المشترك، في مقدمتها تطورات الأوضاع في السودان والقرن الأفريقي.

ترتيب أوراق الإقليم:
وبإجماع مراقبين فإن زيارة وليد الخريجي إلى جوبا تعكس اهتماماً سعودياً متزايداً بإعادة ترتيب أوراق الإقليم، وتفعيل أدوات الوساطة والحوار لمعالجة الأزمات التي تهدّد استقرار المنطقة، وعلى رأسها الحرب في السودان، لذلك كانت جوبا محطة مهمة في جدول التحرك السعودي، باعتبار أن جنوب السودان يرتبط بالسودان ارتباطاً وثيقاً يقوم على وشائج جغرافية واقتصادية وأمنية معقدة، تجعل أي مسار لمعالجة الأزمة السودانية بحاجة إلى تنسيق وثيق مع القيادة السياسية في جمهورية جنوب السودان، ولعل اللافت في زيارة الخريجي لجوبا أنها جاءت من مطار أديس أبابا بعد مباحثاتٍ ناجحة في أثيوبيا عقدها الخريجي مع مفوض الاتحاد الأفريقي وهو أمرٌ بحسب مراقبين يوحي بأن الرياض تتحرّك على خطين متوازيين: خط أفريقي مؤسسي عبر الاتحاد الأفريقي، وخط ثنائي مع الدول ذات التأثير المباشر على المشهد السوداني، وبالتالي فإن التحرك السعودي يعكس إدراكاً من الرياض بأن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل باتت أزمة إقليمية ذات أبعاد استراتيجية، تمس أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، وسلامة خطوط الطاقة والتجارة، ومن هنا تبدو جوبا لاعباً مهماً في ميدان أي معادلة لتسوية قادمة، بما لجمهورية جنوب السودان، من تماس مباشر مع جغرافيا السودان.

أفريقيا والرؤية السعودية:
والواقع أن الاهتمام السعودي بالقارة الأفريقية ليس وليد اللحظة، فقد سعت المملكة العربية السعودية ضمن رؤيتها للعام 2030م، إلى توسيع دوائرها الاقتصادية والسياسية، وتوثيق علاقاتها بالدول الأفريقية، وقد توّجت هذا التوجه بإطلاق القمة السعودية الأفريقية في العام 2023م، وهي الأولى من نوعها، بهدف الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية في مجالات الاستثمار والطاقة والأمن الغذائي والتنمية المستدامة، وفيما يتعلق بالسودان، فقد أبدت المملكة اهتماماً مبكراً بوقف نزيف الحرب، وسعت بالتعاون مع حليفتها الولايات المتحدة إلى إطلاق منبر جدة، الذي استضاف جولات تفاوض بين أطراف النزاع، غير أن تلك الجهود تعثّرت بسبب عدم التزام مليشيا الدعم السريع بمخرجات التفاهمات، ولكن مع استمرار الحرب، برزت مبادرات سياسية على أعلى مستوى، كان أبرزها تحرك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي دعا إلى تكثيف الجهود الدولية لمعالجة الأزمة السودانية، في ظل قناعة سعودية راسخة بأن استقرار السودان جزءٌ لا يتجزأ من أمن المنطقة.
السودان في قلب المباحثات:
وبالعودة إلى جوبا التي عقد فيها نائب رئيس الوزراء السعودي وليد الخريجي اجتماعاً مع وزير الخارجية والتعاون الدولي في جنوب السودان (مونداي سيمايا كومبا)، بحضور المدير العام للإدارة العامة لشؤون الأفريقية (صقر القرشي)، حيث جرى استعراض العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها، وبحث الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وتوَّج الخريجي زيارته الناجحة لجوبا بلقاء الرئيس سلفاكير ميارديت في القصر الرئاسي، حيث نقل الخريجي خلال اللقاء تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتمنياتهما لجمهورية جنوب السودان بمزيد من التقدّم والنماء، واستعرض لقاء سلفاكير بالخريجي تطوّرات الأوضاع الإقليمية والدولية، بما في ذلك مستجدات المشهد السوداني، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية تتطلّب تنسيقاً إقليمياً رفيع المستوى.
سباق النفوذ ومعادلة النفط:

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي الجنرال دكتور معاوية علي عوض الله، أن زيارة وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي لجوبا تأتي في إطار تعزيز الحضور السعودي المتسارع في ملفات القارة السمراء، خاصة تفاصيل القضية السودانية، عبر تفعيل قنوات التواصل الإقليمية والدولية، ولم يستبعد الجنرال معاوية في إفادته للكرامة أن تكون الرياض في سباق مع الزمن لقطع الطريق على تحركات (أبوظبي ) التي تسعى إلى توسيع نفوذها في دولة جنوب السودان، من خلال تقديم إغراءات متعلّقة بالنفط وضخِّ استثمارات مليارية في اقتصاد الدولة الوليدة، بما يُمكّن النظام الإماراتي من الإطلالة المباشرة على السودان، ونوه الجنرال معاوية علي عوض الله إلى أن التقارب ما بين الرياض وجوبا السعودي قد يسهم في معالجة أزمة النفط، الذي يمثل شريان الحياة للاقتصاد الجنوب سوداني، لا سيما في ظل الاضطرابات التي طالت مناطق الإنتاج وخطوط الإمداد باجتياح مليشيا الدعم السريع منطقة هجليج عصب النفط في دولتي السودان، مبيناً أن استقرار جنوب السودان، وضمان انسياب النفط، يرتبطان عضوياً باستقرار السودان نفسه، مما يجعل أي تحرّك سعودي في جوبا جزءاً من رؤية أوسع لإعادة بناء التوازنات في الإقليم.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. تؤكد زيارة وليد الخريجي إلى جوبا أن المملكة العربية السعودية تمضي في دبلوماسية نشطة تتجاوز حدود البيانات إلى بناء شبكة تفاهمات إقليمية، تستند إلى قراءة استراتيجية عميقة لمعادلات القرن الأفريقي، ذلك أن التحرك السعودي وفقاً لمحللين سياسيين يجمع بين البعد التنموي الذي ترسمه رؤية المملكة للعام 2030م، والبعد السياسي المرتبط بوقف الحرب في السودان، والبعد الاستراتيجي المتصل بأمن البحر الأحمر والطاقة، وفي ظل تشابك المصالح وتعدّد الفاعلين، تبدو جوبا إحدى العقد المفصلية في مسار البحث عن تسوية سودانية شاملة ،تسوية تعيد للدولة السودانية عافيتها، وتحفظ للمنطقة استقرارها، وتؤسّس لمرحلة جديدة عنوانها الشراكة والانتفاع، وليس الحروب والصراع.



