تأليف : البروفيسور حاتم الصديق محمد أحمد
الناشر: دار آريثيريا للنشر والتوزيع – السودان
الطبعة الأولى : 2025 م.
هذا الكتاب جديد في موضوعه، متماسك في مبناه وتسلسله، جيد في حبكته وسرده، لغته سلسلة وسهلة. كاتبه البروفيسور/ حاتم الصديق: خبر دروب البحث والتنقيب، وله دور رائد في سد الثغرات التاريخية في تاريخ السودان بطرحه لموضوعات مهمة لم تجد حظها من الدراسات. ما أود الإشارة إليه فيما وسمته أعلاه ب( تقديم)، دون الخوض في عرض الكتاب وقفزا فوق تفاصيل مادته وموضوعه، وأتناول جانب من الأفكار الجديدة التي طرحت أثناء النقاش مع الكاتب أثناء قراءة مسودة هذا الكتاب، ولعل أكثر ما يحمد للكاتب أنه أحدث نظاماً حواريا بديعا مع المختصين والمهتمين حول موضوعات دراساته، أشبه بورشة علمية مصغرة، أفرزت أفكاراً مهمة ومثيرة تصلح لعدد من البحوث، وفي هذه السانحة سوف اتطرق إلى موضوع التواصل بين المجموعات الحضارية في العالم القديم ووسائله، وآثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن الموضوعات التي دار حولها بعض النقاش على هامش هذا الكتاب، موضوع العلاقات السودانية الهندية، وهي الفترة التي تزامنت مع قيام المملكة الكوشية الأولى وعاصمتها كرمة في الألفية الثالثة قبل الميلاد. وهنا نشير لمعلومة مدخليه لم نتحقق من مصدريتها، وهي أن اسم كوش في الثقافة الهندية اسم لشخصية من الأساطير الهندوسية، كما أن هناك مناطق تحمل هذا الاسم في السودان، وكذلك هناك عدد من الأسماء الجغرافية المتشابهة بين البلدين.
إن القاسم المشترك بين البلدين في أوضح صورها، هو أهمية الأبقار في الحياة الدينية والاقتصادية في الحضارتين حيث هناك مرويات تقول بأن مؤسسي حضارة كرمة، التي كانت واحدة من أقدم وأهم الحضارات في وادي النيل بين حوالي 2500-1500 قبل الميلاد مجموعة من رعاة الأبقار، ومثلت الأبقار جزءًا جوهريًا من الاقتصاد والمعتقدات الدينية والثقافية. كما كان له دور كبير في تحديد المكانة الاجتماعية في كرمة.
من الواضح كان للأبقار في الحضارة الكوشية أهمية دينية كبيرة، فقد كانت تُستخدم في طقوس الموت والتضحيات المرتبطة بالآلهة يدل على ذلك الكمية المهولة من رؤوس الأبقار الموجودة في مدافن الدفوفة الشرقية. ومازالت توجد بعض مظاهر استمرارية تقديس الأبقار موجودة في الثقافة السودانية، وفي المقابل فإن الأبقار في الحضارة الهندية، كانت ومازالت تحظى بمكانة دينية مرموقة خاصة في تعاليم الديانة الهندوسية التي تقوم على تقديس وحماية الإلهة (كاما دِينو) (البقرة السماوية)، وترتبط بها عدد من القوانين والمحظورات والطقوس التي تراعي قدسيتها، كما تعتبر
الأبقار مصدر اقتصادي مهم في الهند.
وعوداً على بدء فإن هذا السفر من المؤلفات المهمة التي تناولت موضوعاً غير مطروق في الدراسات السودانية والعلاقات الدولية والحضارية بين شعوب العالم التي تواصلت من خلال الطرق التجارية القديمة عبر المحيطات والبحار ومنها إلى الطرق البرية، من المحيط الهندي إلى الخليج العربي ومنها إلي البحر الأحمر وموانئ السودان التي استقبلت البضائع والجاليات الهندية فامتدت الصلات الحضارية والاقتصادية والاجتماعية منذ القدم وحتى الآن.
ومن جانب آخر فإن بعض الدراسات تشير إلى هجرات كوشية من حوض وادي النيل عبر البحر الأحمر إلى جنوب الجزيرة منذ العصور الحجرية، وربما تواصلت إلى بلاد الهند بنفس طرق التجارة وقد ألمحت لذلك بعض المدونات التاريخية، وهو مجال الدراسة والتنقيب، وكذلك نحتاج لدراسة موازية للوجود السوداني في الهند حتى تكتمل جوانب هذه الدراسة المميزة، ولا شك أن هذه الدراسة كما أشرنا تفتح أبواب جديدة في مختلف المجالات والتخصصات العلمية المختلفة.



