المنوعات

العصيدة.. “سيدة المائدة” في رمضان السوداني ورمز اللمة والهوية

تحتل العصيدة مكانة محورية على مائدة الإفطار في السودان خلال شهر رمضان، إذ يصعب تخيّل السفرة الرمضانية من دون حضورها بوصفها الطبق الرئيس الذي يؤذن ببداية “الأكل الحقيقي” بعد ساعات الصيام الطويلة.

ولا تُعدّ العصيدة مجرد وجبة تقليدية ذات قيمة غذائية، بل تمثل رمزًا ثقافيًا متجذرًا يعكس الارتباط بالأرض والعادات وروح التآلف الأسري التي تميز الشهر المبارك. وتبدأ طقوس الإفطار عادةً بالتمر والماء ومشروب “الآبري” المعروف محليًا بـ”الحلو مر”، قبل أن تتصدر العصيدة المشهد.

بساطة المكونات.. وثراء المذاق

تُحضّر العصيدة غالبًا من دقيق الذرة، فيما يُستخدم الدخن في بعض المناطق. غير أن سر نكهتها لا يكمن في بساطة مكوناتها، بل في طريقة إعدادها، إذ يُترك العجين ليتخمر قبل الطهي، ما يمنح الطبق مذاقًا حامضًا خفيفًا ومحببًا، ويسهم في تسهيل الهضم.

ولا تُؤكل العصيدة منفردة، بل ترافقها أنواع مختلفة من “المُلاح” (الإدام)، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من التجربة الغذائية. ويأتي “ملاح التقلية” في مقدمة الأنواع الرمضانية، ويتكون من البصل المحمّر، واللحم المجفف والمفروم، إضافة إلى “الويكة” (البامية المجففة والمطحونة).

كما يحضر “ملاح النعيمية” الأبيض المعتمد على الزبادي المحلي، إلى جانب “ملاح الروب الأحمر” الذي يضاف إليه معجون الطماطم، ليمنح نكهة أكثر كثافة.

العصيدة والإفطار الجماعي

ترتبط العصيدة بعادة “الإفطار الجماعي” الشهيرة في المدن السودانية، حيث يخرج الرجال قبيل أذان المغرب حاملين صواني الطعام إلى الشوارع. وتُقدَّم العصيدة في قالب دائري يُعرف بـ«القديح» أو «اللقمة»، ويُسكب الملاح حولها في مشهد يجسد روح المشاركة والتكافل الاجتماعي.

ويُؤكل الطبق تقليديًا باليد، وهو طقس يحمل دلالات ثقافية تعزز الألفة والتواضع والتواصل بين الحاضرين.

طاقة بعد الصيام.. وحنين في الغربة

تتميز العصيدة بقيمتها الغذائية العالية، إذ تمنح الجسم طاقة بعد يوم طويل من الصيام، بينما تجعلها عملية التخمير سهلة الهضم رغم قوامها الكثيف.

وفي الوجدان السوداني، تتجاوز العصيدة كونها طبقًا يوميًا لتصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية ورمزًا للكرم والحنين، خاصة لدى السودانيين في المهجر. فهي بالنسبة لكثيرين “ريحة البلاد” وطعم الطفولة واللمة، وواحدة من أبرز ملامح الهوية الغذائية التي توحد السودانيين داخل الوطن وخارجه

زر الذهاب إلى الأعلى