محمد عبدالله برقاوي..
في كل زمان ومكان ..يكون ظرفاء المجتمعات ..هم صوت زمانهم الحاكي ..ونبض مكانهم المعبر عن الواقع المعاش وباللغة التي يفهمها الناس في حاضرهم..بل وقد ترقى طرائفهم الى مصاف الحكمة .. فتعيش من بعدهم قروناً تمشي بين الناس أو تصبح أمثلة يضربونها للتدليل أوموعظة يؤخذ بها في معالجة الكثيرمن القضايا الإجتماعية ..فتغني عن الكثيرمن عنت البحث عن الحلول ..فعاش جحا رغم أنف زمانه الغابر..في حياتنا المعاصرة على سبيل المثال وليس الحصر وسيظل صداهُ من بعدنا يترددفي حكمه وطرائفه وطريقة تخلصه بالذكاء والحيلة وخروجه من المواقف المختلفة ..مثلما كان أبونواس حاذقا في شعره وثعلبا في مراوغاته للتخلص من مطبات الخلفاء والأمراء التي كان يوقعه فيها سوء حظه العثر.. وجذابا في مواقفه حتى الماجنة الى أن ثاب الى رشده بقصيدة نظمها قبل إحتضاره.. فقال النقاد إنها كانت بمثابة صك إستغفار ومرافعة إعترافات تمنى فيها أن يتقبله المولى الرحيم في واسع غفرانه وبراحات رحمته.
وحتى لانغوص في ذلك اليم المنساب الى ضفاف الماضي التليد ..و الذي قد خاضه المختصون بالتحليل ونهل من جداوله المتفرعة القارئون والمستمعون ..لكثرة ما ضجت به أصوات الأزمنة المختلفة..فاننا سنقف على بعض نماذج الظرفاء من تاريخنا المحلي الحديث..بعضهم أصبح في ذمة الله وبعضهم لا زال يعيش بيننا متمنين لهم العمر الطويل ليزيدوننا من عطائهم الفطري الذكي والثر.
كان المرحوم موسى الشهير بودنفاش ..أيقونة أمدرمان بلا منازع في ظرفه ودهائه حتى العقود الأخيرة من القرن الماضي ..وتمددت سيرته منداحة في كل أرجاء الوطن ..فبات ينسب له كل طريف يتداوله الناس في ذلك الزمان وفيما بعد..وإن لم يكن صادراً عنه..وقيل أنه كان يمد زعماء الطوائف والقادة السياسيين وقتها باستطلاعات الرأي العام في شكل نكات وقفشات مليحة تضحكهم الى درجة البكاء لما تحتويه من الفكاهة القوية المبنى .. والساخرة المعنى وهي تحمل رسائل مجازيةً لكل لبيب يفهمُ !
أما الراحل العم حمودة ..حلاق جامعة الخرطوم الشهير..حينما كانت جميلة ومستحيلة بحق ..رد الله غربتها .مثلما كان لها قصب السبق في توجيه مسارات الحياة السياسية والأدبية والثقافية والفنية ..فقد خلق طلابها من شخصية الرجل منبرا لإطلاق بالونات الوعي السياسي في فضاءات الواقع المُعاش في شكل طرائف وتشبيهات تنسب له وهوالمعروف بعفويته وسليقته في التقاط خلاصات جدل زبائنه من الأساتذة والطلاب وغيرهم من المثقفين ويبني عليها تلك القفشات التي لا
تخلومن العمق الذي يغني عن مقال بحاله أوقصة كاملة..كما قال استاذنا فضل الله محمد..طيب الله ثراه.. في أغنية الجريدة وهوالذي عاصرمع ابناء جيله من الطلاب حينها حقبة العم حمودة بكل تفاصيلها .
يحكي من عايشوه ..ان العم حمودة خلال تردد الحديث في الصحف والمجالس عن اختلال الميزان التجاري للدولة ..في فترة إحدى حكومات ديمقراطية مابعد ثورة أكتوبر ..أنه شاهد رافعة ضخمة (ونش ) معطلة أمام وزارة التجارة والتموين كما كانت تسمى وقتها فقاطع طلبة من زبائنه كانوا يتناولون الموضوع بالنقاش في صالونه مشاركا بالقول .
يا جماعة كيف لا يختل الميزان التجاري للبلد وقدشاهدته اليوم خرباً أمام الوزارة مثلما كان واقفا من شهر دون أن تجتهد الحكومة في اصلاحه !
وحكى لي صديق أنه كان في مجلس عزاء في أم درمان والناس في تلك الأيام مشغولين بمفاصلة القصر والمنشية ..وهي في اشدها حيث أودع الراحل الترابي السجن بواسطة صنيعته من حكام الإنقاذ وحواريه الذين تعلموا منه السحر واساليب الخداع الفكري والسياسي ..فاشتد الجدل بين مثقفي مجلس العزاء حتى تعالت أصواتهم بين مؤيد لهذا الفريق ومنحازلذلك الفسطاط..وكان ظريف أم ادرمان الراحل الهادي نصر الدين يتظاهر في تلك الأثناء بانه نائم ..غير أنه متابع للهرج والمرج من تحت عمامته التي تغطى بها. ..فنهض فجأة..وكشف عن وجهه ومسحه باسماً..ثم لخص الأمر في قفشة كانت أقرب الى الحكمة البليغة .. بقوله يا إخوتي..أنا لا أفهم في السياسة مثلكم كمثقفين وسياسيين وعلماء ومتعلمين..ولكن في كل حياتي منذ أن وعيت على الأحداث الهامة في العالم.. كنت أسمع أن الثورات تأكل بنيها ..ولكن هذه أول مرة أسمع أن ثورة ً أكلت (أبيها )..فضج المجلس بالضحك..وبعدها سادالصمت التام المكان ..حيث قطع الهادي بذكائه الوقادوالتلقائي .. قول كلِ خطيب!
والعنوان ربما يحتمل المزيد من الأمثلة ..عبر استراحات قادمة ..هذا إن سمحت الظروف وأمد الله في الآجال ..وعذرا على الأطالة .



