
“

كتب: معاوية أبوالريش
على أرض ملعب الشهيد علي عمار بالدويرة، حيث يختلط هدير الجماهير بأنفاس اللاعبين اللاهثة، وحيث تُكتب الملاحم وتُدفن الأحلام، سقط الهلال السوداني للمرة الأولى في رحلته القارية هذا الموسم. لم يكن السقوط عاديًا، بل كان محملاً بمرارة الظروف القاهرة ووجع الأجساد المحطّمة. فازت مولودية الجزائر بهدفين مقابل هدف، لكن النتيجة الحقيقية كُتبت قبل أن تنطلق صافرة البداية بكثير… كُتبت في سماوات عاصفة، ومطارات متناثرة، ورحلة تحولت إلى جحيم متنقل.
عندما تتآمر السماء… قصة رحلة لن تُنسى
لم يكن لاعبو الهلال يعلمون، وهم يودعون كيغالي صباح الاثنين، أن القدر يخبئ لهم امتحانًا قاسيًا قبل موعدهم مع المولودية. في عليائها، قررت السماء أن تكون خصمًا عنيدًا. الأنواء المناخية السيئة أجبرت الطائرة على الهبوط الاضطراري في المنامة، ثم الدوحة، حيث تحولت ساعات الانتظار إلى كابوس من البحث عن تأشيرات ونُزل للإقامة. من الدوحة إلى إسطنبول، ثم أخيرًا إلى الجزائر… ثلاثة أيام من التنقل المضني، ثلاثة أيام من الأجساد المعلقة بين السماء والأرض، حتى حطت البعثة رحالها عصر الأربعاء، منهكة، مثقلة، محطمة.
ريجيكامف يتحدى المستحيل… والأجساد تخونه
في قاعة المؤتمرات الصحفية، جلس الروماني لاورينتسو ريجيكامف بوجه صارم يحاول إخفاء القلق الذي يعتصر قلبه. قال بنبرة حازمة: “لا عذر لنا، يجب أن نقدم مباراة في المستوى” ربما أراد أن يبث الحماس في عروق لاعبيه، أن يشعل فيهم جذوة الإصرار، لكن الكلمات وحدها لا تُعيد الحياة إلى أجساد استنزفتها رحلة الجحيم.
وحين انطلقت المباراة، كانت الحقيقة أكثر قسوة من أي خطاب تحفيزي. صلاح عادل يجر قدميه كأنهما من رصاص، والي الدين خضر بوغبا يلهث خلف الكرة دون أن يدركها، الغربال وعبد الرؤوف يعقوب ومحمد أحمد أرنق يتحركون كأشباح في ضباب كثيف. حتى الثنائي الماسي جان كلود وأداما كوليبالي، اللذان طالما أرعبا دفاعات الخصوم ، بدا وكأن شيئًا غريبًا قد سرق منهما البريق، وحوّلهما إلى ظلين باهتين.
المولودية تصطاد في الماء العكر… والهلال يغرق
في الجهة المقابلة، كانت مولودية الجزائر تتحرك بانسيابية القطط المتربصة. سيطروا على وسط الملعب كأنه ملكهم الخاص، ومارسوا ضغطًا عاليًا خنق أنفاس الهلال. لم يستطع اللاعبون السودانيون الخروج بالكرة من منطقتهم، كانوا محاصرين، مكبّلين، عاجزين.
الدقيقة 18: حين ينكسر السدّ الأول
جاءت اللحظة القاتلة في الدقيقة 18 كرة ذكية، مدروسة، لُعبت خلف مصيدة التسلل التي نصبها دفاع الهلال بتعب شديد. انطلق فرحات كسهم، تقدم نحوه الحارس البوركيني الشجاع سفياني فريد محاولاً تضييق الزاوية، لكن اللاعب الجزائري راوغه بخفة، ثم مرّر الكرة لزميله اناتوف الذي دفعها ببساطة قاتلة في الشباك الخالية. كان الهدف صفعة، لكنها لم تكن الأخيرة.
لحظة ضائعة… وحلم مؤجل
هبّ الهلال من غفوته القسرية، وتهيأت فرصة ذهبية لعبد الرؤوف يعقوب. لحظة حاسمة، لحظة يمكن أن تعيد التوازن للمباراة، لكن التردد كان أسرع من القرار. فكّر في تمريرها لكوليبالي، خشي التسلل، تباطأ، وحين قرر التسديد أخيرًا، كان بن خماسة قد قرأ نواياه وتدخّل في اللحظة المناسبة تمامًا، ليحرم الهلال من هدف كان في حكم المحقق.
الدقيقة 45: الضربة القاضية
وقبل أن يلفظ الشوط الأول أنفاسه الأخيرة، جاءت الضربة القاضية. كرة مرتدة، فوضى في منطقة الجزاء، وزين الدين فرحات ينطلق كالعاصفة. راوغ محمد أحمد أرنق، وأطلق صاروخًا من قدمه اليمنى لا تخطئه العين… الكرة تشق طريقها كالبرق، وتستقر في الزاوية البعيدة من شباك فريد. هدف من طراز رفيع، جميل، قاتل، مدمّر.
انتهى الشوط الأول، والمولودية تتقدم بهدفين نظيفين، والهلال يسير نحو غرف الملابس بأرجل ثقيلة وقلوب محطّمة.
شوط ثانٍ… محاولات يائسة ولمحة أمل
في الشوط الثاني، حاول ريجيكامف إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أدخل صنداي وأحمد سالم أمبارك وحاج ماديكي، سحب جان كلود وكوليبالي وبوغبا، ثم دفع بكاماراديني وياسر جوباك. تبديلات يائسة، محاولات أخيرة لإشعال جذوة الأمل في صدور يكاد اليأس يتسلل إليها.
الدقيقة 76: بصيص أمل في ظلمة الهزيمة
وفجأة، ولد الأمل من رحم اليأس. قدّم كاماراديني، الوافد الجديد، تمريرة رائعة لأحمد سالم أمبارك، الذي اخترق الدفاع الجزائري بثقة نادرة في تلك الليلة، وسدد كرة قوية سكنت شباك قندوز. هدف جميل، في التوقيت المناسب، أشعل شرارة خافتة من الأمل في قلوب الهلاليين.
الدقيقة 88: حين يمرّ الحلم بجوار القائم
كاد الأمل أن يتحول إلى معجزة. ركلة ركنية نفذها روفا بدقة، وصلت إلى كاماراديني الذي تسلل بذكاء خلف المدافعين، قفز عاليًا، سدد بالرأس… لكن الكرة، تلك الكرة القاسية، مرّت بسنتيمترات قليلة بجوار القائم. كانت تلك اللحظة الأخيرة، آخر شعاع أمل انطفأ، وبقي الهلال ينتظر صافرة النهاية كمن ينتظر حكم الإعدام.
الإرهاق… الخصم الذي لا يُهزم
لم تهزم مولودية الجزائر الهلال السوداني تلك الليلة. كان الخصم الحقيقي هو ذلك الإرهاق القاتل الذي تسلل إلى العظام، ذلك التعب الذي حوّل اللاعبين إلى أشباح تتحرك دون روح. نعم، كان جمهور “الشناوة” هائلاً، كان الضغط الجماهيري كاسحًا، لكن لاعبي الهلال خاضوا معارك أقسى من هذه في ملاعب أكثر التهابًا. لكن حين تخونك الأرجل، وتثقل الرؤوس، ويتباطأ رد الفعل، لا ينفع أي قدر من الخبرة أو الشجاعة.
العنف المقنّع… سلاح في الظلام
وإلى جانب الإرهاق، كان هناك عامل آخر مسكوت عنه. الأسلوب العنيف الذي مارسه لاعبو المولودية، ليس عنفًا فجًا يراه الجميع، بل عنفًا ذكيًا، مدروسًا، بعيدًا عن الكرة. تعرض عبد الرؤوف يعقوب للضرب مرتين أمام أنظار الحكم المساعد الذي اختار أن يغض الطرف. استُهدف جان كلود وكوليبالي بتكتيكات خشنة هدفها الوحيد زرع الخوف في نفوسهما، وقد نجحت. اضطر ريجيكامف لسحبهما مبكرًا، حفاظًا عليهما من إصابة محتملة، ومن إنذارات قد تحرمهما من المباراة القادمة المصيرية أمام لوبوبو، خاصة وأن كلاً منهما يحمل بطاقة صفراء سابقة.
المولودية تنتعش… والهلال يتمسك بالصدارة
بهذا الانتصار الثمين، أنعشت مولودية الجزائر روحها المحطّمة، ورفعت رصيدها إلى سبع نقاط، مشتعلة بالأمل في انتزاع إحدى بطاقتي التأهل. تنتظرها الآن معركة حقيقية في بريتوريا أمام العملاق الجنوب أفريقي ماميلودي صن داونز، مباراة ستحدد مصير “العميد” في هذه المغامرة القارية.
أما الهلال السوداني، فقد احتفظ بصدارة المجموعة الثالثة برصيد ثماني نقاط رغم الهزيمة المريرة. سيستضيف سانت إيلوي لوبوبو في كيغالي في الجولة الأخيرة، آملاً أن تكون الأجساد قد استعادت عافيتها، والأرواح قد استردت بريقها، ليعود “الزعيم الأزرق” إلى ما اعتاد عليه من سيطرة وتألق.
درس قاسٍ في قسوة الحياة
في نهاية المطاف، كانت مباراة الأمس أكثر من مجرد لقاء كروي، كانت درسًا قاسيًا في أن الكرة لا تُلعب بالعزيمة وحدها، ولا بالخبرة والمهارة فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى أجساد قوية، وعقول صافية، وأرواح غير محطّمة. ومهما بلغ إصرار اللاعبين، فإن الإرهاق يبقى ذلك العدو الخفي الذي لا يُرى لكنه يهزم الجيوش.
وحين تتحول رحلة بسيطة إلى ملحمة من المعاناة تمتد ثلاثة أيام عبر ثلاث قارات، وحين تتآمر السماء والأرض على فريق، فلا عجب أن يسقط حتى الأبطال.
الهلال سقط في الجزائر، لكنه لم ينكسر. وستشهد الجولة الأخيرة ما إذا كان “الزعيم” قادرًا على النهوض من جديد، أم أن رحلة العذاب تلك قد تركت ندوبًا لا تُمحى.



