الأخبار

إمبراطورية جنرالات الشرطة العقارية

إمبراطورية جنرالات الشرطة العقارية
في عهد النظام البائد، وفي الوقت الذي كان المواطن السوداني يكافح لعقود من أجل الحصول على رقعة أرض تأويه في أطراف العاصمة المنهكة، كانت كواليس “نظام الإنقاذ” تشهد بناء إمبراطوريات عقارية خرافية لنخبة من قيادات الشرطة.
لم تكن هذه الثروات نتاج استحقاقات وظيفية، بل كانت تجسيدًا لـ”عقيدة التمكين العقاري” التي استباحت مقدرات الدولة وحولتها إلى إقطاعيات خاصة.
تكشف الوثائق المستردة عبر لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو “قبل تجميد أعمالها” عن حجم مهول من الاستحواذ على الأراضي لمديري الشرطة وزوجاتهم. كانت تلك حصيلة شبكة معقدة من العمولات واستغلال النفوذ والتمكين العقاري.
أدناه تورد “صحيح السودان” أسماء اثنين من قيادات الشرطة في العهد البائد الذين استغلوا نفوذهم ومواقعهم التنفيذية للاستحواذ على مساحات شاسعة من الأراضي السكنية في مناطق مميزة من ولاية الخرطوم، كما نورد اسم إحدى زوجات هؤلاء الضباط التي استغلت نفوذ زوجها وامتيازاته للحصول على الأراضي السكنية.
جنرالات الفساد
الفريق هاشم عثمان الحسين: مدير عام الشرطة ووالي الخرطوم الأسبق، وضع الحسين، الذي شغل أيضًا مدير مكتب الرئيس المخلوع، وبحكم انتمائه للحركة الإسلامية، يده على 33 عقارًا بمساحة تقارب 10 آلاف متر مربع.
وفي ذات السياق سبقه الفريق محمد نجيب الطيب، الذي ينحدر من منطقة “حوش بانقا” التي ينتمي إليها المخلوع عمر البشير، وبحكم تلك العلاقة ودوره في ترسيخ النظام البائد من خلال الشرطة الشعبية التي كانت تلعب الأدوار القذرة للحركة الإسلامية.
سجل الفريق محمد نجيب وحده رقمًا قياسيًا في الحصول على الأراضي السكنية باستيلائه على 129 عقارًا بمساحة تتجاوز 47 ألف متر مربع.
دور الفساد الكبير لمحمد نجيب لم ينته عنده وحده، بل لعبت زوجته هند مصطفى (هند التقانة) دورًا كبيرًا في عملية الفساد المرتبطة بضباط الشرطة، وكانت تدير استثمارات العديد من ضباط الشرطة، للدرجة التي تم وصفها بأنها الصندوق الأسود لعقارات الشرطة، وضبطت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في سجلات الأراضي نحو 175 عقارًا بمساحة 134 ألف متر مربع في مناطق “كافوري، الحي الدبلوماسي، والرحاب” مسجلة باسم هند زوجة محمد نجيب، وأراضٍ أخرى مسجلة باسم ابنتيها بسنت ورتاج محمد نجيب.
كانت هند أحد أكثر الألغاز إثارة للجدل في تاريخ الفساد العقاري السوداني. لم تكن مجرد زوجة مسؤول، بل كانت المحرك المالي والسمسار الذي يشرعن نفوذ زوجها في صفقات الدولة الكبرى.
أدوار هند في غسيل الأموال
عملت هند على ترتيب العديد من صفقات غسيل الأموال، أبرزها كانت صفقة القطارات، التي حصلت بموجبها على 20 قطعة أرض كعمولة من شركة “نوبلز” مقابل تسهيل صفقة قطارات ولاية الخرطوم، وهي الصفقة التي دُفع ثمنها من أراضي الدولة الأصلية.
احتكرت هند، وبحكم منصب زوجها في إدارة قوات الشرطة، عملية طباعة ملصقات “استيكرات” رخص قيادة السيارات، محولةً موردًا سياديًا إلى بزنس عائلي خاص.
تعد الواقعة الأكثر شهرة تلك التي ضُبطت فيها أثناء عملية تهريبها لمبلغ مالي قيمته مليون دولار نقدًا، وعقب ضبطها في المطار بهذا المبلغ لم يتم تحويلها للتحقيق أو الحجز، بل ارتُكبت مجزرة إدارية في حق الضباط الذين أوقفوها في المطار. كانت تلك الحادثة الدليل القاطع على الحصانة المطلقة التي تتمتع بها وشبكة الحماية الكبيرة.
تحالف الأمن والشرطة
تحالف “الأمن والشرطة والمال” لم يكن فسادًا معزولًا، بل كان “كارتيلاً منظمًا” يربط بين قيادات الشرطة وجهاز الأمن ورجال أعمال، حيث كشفت المحاكمات “مثل محاكمة اللواء أمن عبد الغفار الشريف” عن شبكة غسيل أموال معقدة، حيث كانت تُمنح الأراضي لقيادات أمنية تحت غطاء “توكيلات بناء” لتبادل الحماية وتثبيت أركان “دولة الفساد”، وجميع تلك المعاملات كان يتورط فيها الكبار من ضباط الشرطة وقياداتها الذين تم ذكرهم سابقًا.
نكسة العدالة
عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021 تمثلت الفاجعة الكبرى للسودانيين في المسار الذي اتخذته هذه الملفات؛ ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الشعب تحويل هذه العقارات المستردة إلى مرافق خدمية أو تعويضات للمتضررين، صدرت قرارات قضائية وإدارية قضت بإعادة كافة هذه الأملاك المنهوبة (337 عقارًا) لأسرتي هاشم عثمان ومحمد نجيب وزوجته هند.
إن عودة “إمبراطورية الجنرالات” بجرّة قلم لم تكن مجرد إجراء، بل كانت إعلانًا صريحًا عن “الردة” عن قيم العدالة والمحاسبة، وبداية لتقويض أحلام السودانيين في دولة القانون، وسقوطًا ذريعًا لمؤسسات العدالة السودانية.
تظل قصة أراضي الخرطوم المنهوبة شاهدًا على كيف يمكن للسلطة أن تتحول إلى أداة للتكسب السريع، وكيف يمكن لأدوات الاستبداد أن تمحو بجرّة قلم حقوق شعب بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى