
لم يكن من خيار أمام التجار الذين أرهقتهم الجبايات القسرية التي تفرضها سلطة الأمر الواقع إلا إشهار سلاح الإضراب عن العمل وإغلاق كل المحال التجارية والخدمية، في وقتٍ تدهور فيه الاقتصاد السوداني في كل ساعة تمرّ على البلاد وهي غارقة في دماء أبنائها بسبب الحرب المستعرة.
سلطات الأمر الواقع، وبعد أن فشلت في إنهاء حربها التي أشعلتها وقالت إنها ستحسمها في ساعات، لجأت إلى جيوب التجار والقطاعات الخدمية لتمويل الحرب واستمرارها، في وقتٍ تعرّضت فيه ذات المتاجر والقطاعات إلى عمليات نهب وسلب واسعة من كافة أطراف النزاع وفي كل الولايات التي اشتعلت فيها الحرب.
تجار الجزيرة على الخط
ذات الولايات التي خرجت للتو من حرب المدافع والدانات دخلت حربًا أخرى مع سلطة وضع اليد، حيث فرضت على التجار في ولاية الجزيرة زيادة كبيرة في رسوم الجبايات والرخص والعوائد والنفايات بقوة السلاح، وفي حالة عدم الدفع فإما السجن أو إغلاق المحلات وسحب الرخصة، في أسلوب يشبه الدولة البوليسية الحالية.
لكن التجار، الذين حررتهم ثورة ديسمبر من الخوف والخنوع، أشهروا سلاح الإضراب في وجه السلطة وأغلقوا المحال التجارية في كل أسواق مدينة ود مدني، وأحدثوا شللًا كبيرًا في الحركة التجارية حتى تخضع السلطة لمطالبهم المشروعة وتسحب قراراتها.
جبايات باهظة
وفي سنار، فرضت السلطة رسوم رخص تجارية على الصيدليات فاقت 850 ألف جنيه على كل رخصة، إضافةً إلى جبايات أخرى مثل العوائد والنفايات، رسوم أشبه بالعقوبة على قطاع كبدته الحرب التي دارت في الولاية خسائر فادحة في الممتلكات بسبب قطع الطرق وتوقف حركة الأدوية، ما دفع الأطباء إلى إغلاق الصيدليات، التي أحدثت شحًا في الدواء وزادت من معاناة المرضى بسبب قرارات السلطة القاسية.
ولم تكن ولاية القضارف أفضل من أخواتها، حيث دفعت السلطة بكل أجهزتها الأمنية داخل الأسواق بغرض جمع الجبايات من التجار وأصحاب المهن البسيطة مثل القهاوي وغيرها، وبمزيد من الضغط والقوة الجبرية لجأ التجار إلى سلاح الإضراب لكل المتاجر داخل السوق الكبير.
وهكذا تفعل السلطة في كل الولايات، خاصة ولاية الخرطوم التي بدأت تتململ ويعلو صوتها، بل صرخ أحد رجال الأعمال في وجه السلطة وحرّض المواطنين إلى عدم العودة بعد تجربته المريرة التي خاضها مع سلطةٍ كل همها جمع الأموال لتغذي بها آلة الموت والخراب والدمار في جبهات القتال المختلفة.
تقديرات اقتصادية أممية
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن حوالي خمسة ملايين وظيفة فُقدت منذ بداية النزاع، وتشير بعض التقديرات الميدانية إلى أن البطالة تجاوزت 45% في الولايات الأكثر تضررًا، ويُقدّر تحليل مستقل أن حوالي 4.6 مليون وظيفة اختفت بشكل عام.
وقدّرت المنظمة الدولية للهجرة أن التضخم المفرط ارتفع من حوالي 66% في عام 2023 إلى حوالي 170% في عام 2024.
ووفقًا للأمم المتحدة يشهد السودان انهيارًا اقتصاديًا حادًا يتسم بالتضخم المفرط، وتدهور العملة، وندرة النقد، وانهيار السوق على نطاق واسع، مما أدى إلى انخفاض حاد في القوة الشرائية. حيث شهد شهر سبتمبر الماضي، كانت أسعار السلع الغذائية الأساسية أعلى بنحو 430% من مستويات ما قبل النزاع. وفي 8 نوفمبر 2025 ارتفع الفقر من 21% إلى 71%، مما ترك حوالي 23 مليون شخص تحت خط الفقر.



