الأعمدة

الحرب على إيران: : الإمبريالية في طورها العسكري وأزمة الهيمنة في الشرق الأوسط*

*✍️ ضياء الدين محمد أحمد*
*الحرب على إيران ليست واقعة عسكرية منفصلة، ولا مجرد مواجهة بين دولتين، بل تعبير مكثّف عن أزمة بنيوية يعيشها النظام الرأسمالي العالمي في طوره الإمبريالي.* *فعندما تتحرك الإمبريالية الأمريكية، ممثلة في دولة مثل الولايات المتحدة، بالتنسيق العضوي مع الكيان الصهيوني ممثلاً في دولة إسرائيل، فإن الأمر لا يُختزل في خلاف دبلوماسي أو في ملف نووي، بل يرتبط بإعادة ترتيب موازين القوة في منطقة تُعدّ قلب النظام العالمي من حيث الطاقة والممرات الاستراتيجية والأسواق.*
*المنطقة التي تُستهدف اليوم ليست هامشاً جغرافياً، بل هي عقدة أساسية في شبكة التراكم الرأسمالي العالمي. ومنذ نهاية الحرب الباردة، ومع تآكل الأحادية القطبية وصعود قوى دولية جديدة، أصبحت إيران تمثل ــ بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها السكاني، وامتدادها الإقليمي ــ عقدة استعصاء أمام مشروع الهيمنة المنفردة. فالمسألة ليست “سلوك نظام” بقدر ما هي رفض تموضع دولة إقليمية ضمن شروط التبعية الكاملة.*
*في التحليل الماركسي، لا تُخاض الحروب الحديثة دفاعاً عن القيم المجردة، بل عن المصالح المادية: طرق الطاقة، خطوط التجارة، الأسواق، وأدوات السيطرة المالية. وعندما تعجز العقوبات الاقتصادية عن إخضاع دولة ما، تنتقل الإمبريالية إلى مستوى أعلى من الإكراه.*
*هكذا تُفهم الحرب: استمرار للسياسة بأدوات أعنف، حين تفشل أدوات الحصار والابتزاز.*
*غير أن المفارقة الجوهرية تكمن في أن هذه الحرب تُسوَّق بخطاب “تحرير الشعوب” و“نشر الديمقراطية”، بينما التاريخ القريب ــ من العراق إلى ليبيا ــ يبرهن أن التدخل الإمبريالي لا يُنتج إلا تفكيك الدولة، وإعادة تشكيلها بما يخدم مصالح رأس المال العالمي. إن الإمبريالية لا تُسقط أنظمة استبدادية لتقيم بدلاً عنها أنظمة شعبية، بل تستبدل تبعية بأخرى، وتعيد إدماج الاقتصاد الوطني في شبكة النهب العالمي بشروط أكثر قسوة.*
*وهنا ينبغي التمييز بوضوح: الوقوف ضد العدوان الإمبريالي لا يعني تبرئة أي نظام من تناقضاته الداخلية أو من طابعه الطبقي. فالنضال ضد الاستبداد شأن داخلي تحسمه الشعوب نفسها، عبر صراعها الطبقي، لا عبر صواريخ عابرة للقارات.*
*إن أي تغيير يُفرض بالقوة الخارجية يفقد مضمونه التحرري ويتحول إلى إعادة إنتاج للهيمنة بأدوات جديدة.*
*الصهيونية، في هذا السياق، ليست مجرد أيديولوجيا قومية ضيقة، بل تؤدي وظيفة متقدمة في البنية الإمبريالية: قاعدة عسكرية-تكنولوجية متقدمة، ورأس حربة في ضبط الإقليم وإبقاء شعوبه في حالة استنزاف دائم. ولذلك فإن استهداف إيران يتقاطع عضوياً مع استمرار الحرب على الشعب الفلسطيني، ومع سياسة التفتيت التي عاشتها دول المشرق العربي. فالمشروع واحد:* *منع تشكّل كتلة إقليمية مستقلة اقتصادياً وسياسياً.*
*لكن هذه الحرب تكشف أيضاً عن أزمة أعمق داخل المركز الرأسمالي نفسه.* *فتصاعد النزاعات، واتساع رقعة التسلح، ومحاولة فرض الهيمنة بالقوة المباشرة، كلها مؤشرات على انتقال النظام العالمي من طور “الضبط الناعم” إلى طور “الإكراه الخشن”. إنها علامة على تراجع القدرة على إدارة العالم عبر المؤسسات المالية وحدها، والعودة إلى منطق القوة العارية.*
*أما على مستوى الشعوب، فإن الخطر الأكبر يكمن في تحويل الصراع إلى مواجهة قومية-طائفية تُغيب البعد الطبقي.*
*فالحروب الإمبريالية تزدهر حين تنجح في تقسيم الجماهير وإيهامها بأن عدوها هو الشعب الآخر، لا البنية التي تنتج الاستغلال والعدوان.* *وهنا تتجلى مسؤولية القوى اليسارية: تحويل لحظة الحرب من لحظة اصطفاف قومي أعمى إلى لحظة وعي طبقي أممي، يرى في العدوان استهدافاً لمجمل شعوب المنطقة، لا لدولة بعينها.*
*إن الدفاع عن حق إيران في سيادتها لا ينفصل عن الدفاع عن حق كل شعوب المنطقة في التحرر من التبعية، ولا يتناقض مع دعم نضالاتها الداخلية من أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية الشعبية.* *فالموقف الماركسي ليس اصطفافاً مع دولة ضد أخرى، بل مع الشعوب ضد الهيمنة، ومع حقها في تقرير مصيرها بعيداً عن الإملاءات الخارجية.*
*الحرب على إيران، إذن، ليست نهاية المطاف، بل محطة في صراع عالمي يتشكل على أنقاض نظام أحادي يتداعى. وكلما اشتدت الأزمة في المركز، ازداد الميل إلى عسكرة السياسة. غير أن التاريخ يُعلّمنا أن الهيمنة بالقوة لا تؤسس لاستقرار دائم، وأن الشعوب التي تدفع ثمن الحروب هي ذاتها التي تصنع التحولات الكبرى حين يتراكم وعيها وتنضج شروط نهوضها.*
*وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري: هل ستُختزل هذه اللحظة في تبادل ضربات بين دول، أم تتحول إلى فرصة لإعادة طرح مشروع تحرري أممي، يربط بين مقاومة الإمبريالية وبناء بديل اجتماعي عادل داخل بلداننا؟*
*الإجابة لا تُكتب في بيانات الإدانة وحدها، بل في قدرة القوى التقدمية على* *تحويل الوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى فعل تاريخي يفتح أفقاً جديداً لشعوب المنطقة.*

زر الذهاب إلى الأعلى