
العاجل المفترس !
عبدالباسط شاطرابي
شاشتي هي الموبايل.. إنه الآفة التي تنفرد الآن بحصاري على كل الجبهات.
لست وحدي بالطبع، فالموبايل سحب رصيد التلفاز إلى أقصى الحدود، وصار المحتوى المتلفز نفسه يبحث عن مكانه في الموبايل، ليتسرب إلى المشاهدين الهاربين من التلفزيون بشكله التقليدي.
جلسة التلفزيون ظلت ولفترات طويلة ملتقىً للأسرة، يجلسون لمتابعة المسلسل اليومي، أو لمشاهدة الأخبار سوياً، يتآنسون حوله، ويتناولون وجباتهم قريبين منه، أو يفتحون الموضوعات ويعلقون عليها مع أصدقائهم وضيوفهم بما تعكسه الشاشة أمامهم جميعاً.
ذاك كان عندما كانت الدنيا نديّةً كاملة البهاء.
الآن نحن أمام شوط جديد من أشواط التغيرات العميقة التي لاحقت الإنسان في العقود الأخيرة.
بتنا نتلقى البث بمفردنا، فالكل منكفئ على الموبايل، نمارس التفاعل والانفعال وحدنا، بعد أن كان التفافنا الجماعي يمتص كثيراً من الطاقات السلبية الكارثية علينا. والمصائب تتكالب، فأكثر ما يتم بثه، سواء على شاشات التلفزة المتسربة إلى الموبايل، أو عن طريق الأخبار التي تداهم قلوبنا من الواتساب وشقيقاته، يعود على صحتنا بأسوأ الآثار.
لا بد أن نتنبه إلى أن هذه الجرعات الزائدة تضيف لمصائبنا مصيبة سامة جديدة، وأن من المهم أن تتجه الأبحاث لتحديد الخراب الصحي والنفسي والاجتماعي الذي بات يخنقنا..
نحن نغرق في الموبايل، تصرعنا التعليقات المحفزة للكوليسترول الضار.. ننتظر بقلق الشريط الأحمر في الشاشات الحامل لكلمة (عاجل)، ونتابع الحروب والاشتباكات والانفجارات والاغتيالات، والزلازل والبراكين والفيضانات، والتغيرات المناخية الحادة التي تقتل كبار السن وتعطل حركة الحياة.
إذا كنا لا نغمط الموبايل بعض حقه، فهو قد شملنا بكثير من الإيجابيات، لكن لا بد من الإقرار أيضاً بأنه رأس الأفعى، سواء فيما نرسله أو فيما نستقبله.
حافظوا على صحتكم.. فلدينا ما يكفينا، واحرصوا على علاقاتكم الأسرية الدافئة، واجعلوا الموبايل أداة تخدمكم في بعض الأوقات، لا كائناً مفترساً يحاصركم في كل الأوقات.
كما عليكم الحذر من مطاردة كلمة (عاجل) في كل شاردة وواردة من الأخبار.. فالعاجل قد يعجل بسرقة صحتكم وسلامتكم الجسدية والعصبية والنفسية.
ورمضان كريم.



