الأخبار

وداعًا نور الدين مدني د

وداعًا أبا عبد الرحمن… نشهد الله أنك كنت هيِّنًا ليِّنًا، قريبًا من القلوب، محبًّا ومحبوبًا. لم تحمل في صدرك غلًّا ولا ضغينة، وكنت تحترم الصغير قبل الكبير، وتُعطي لكل إنسان قدره من الكرامة والاهتمام.
نودّع اليوم الأستاذ الصحافي المخضرم نور الدين مدني، ذلك الصوت الذي ظلّ عاليًا حين خفتت أصوات كثيرة، والقلم الذي لم يعرف المساومة حين اختار كثيرون الصمت. كان رجل موقف قبل أن يكون رجل مهنة، وصاحب كلمة قبل أن يكون صاحب منصب أو شهرة.
عرفه الناس صلبًا في وجه الديكتاتوريات، لا يخشى في الحق لومة لائم. كان يؤمن أن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أثقل من القيود وأقوى من السجون. لذلك لم يكن غريبًا أن يُعتقل مرات عديدة، وأن يدفع ثمن مواقفه من حريته وراحته، لكنه لم يبدّل ولم يغيّر ولم يلن. ظلّ كما هو: ثابتًا، واضحًا، وفيًّا لمبادئه.
كان يمكن له أن يختار طريقًا أسهل، أن يساير أو يصمت، لكنه اختار الطريق الأصعب… طريق الكرامة. كتب بضمير حيّ، وانتصر للحقيقة حين كانت الحقيقة مكلفة. ولم يكن صلابة موقفه تعني قسوة قلبه، بل على العكس؛ فقد كان إنسانًا رقيقًا في تعامله، بسيطًا في حضوره، كريم الروح مع من حوله.
في مجالس الأصدقاء كان ودودًا قريبًا، وفي ساحات الكلمة كان شامخًا لا ينحني. جمع بين التواضع والصلابة، بين دفء الإنسان وجرأة الصحافي. ولذلك لم يكن مجرد كاتب عابر في تاريخ الصحافة، بل كان مدرسة في الشجاعة والنزاهة والاستقامة.
رحل الجسد، لكن المواقف لا ترحل. ستبقى كلماتك شاهدة على زمن حاول فيه كثيرون كسر الأقلام الحرة، لكنها ظلت تكتب. وستبقى سيرتك درسًا للأجيال القادمة: أن الكلمة يمكن أن تكون موقفًا، وأن الصحافي الحقيقي لا يساوم على ضميره.
نم قرير العين يا أبا عبد الرحمن.
فقد عشت كريمًا ورحلت مرفوع الرأس، تاركًا خلفك أثرًا طيبًا وسيرةً ناصعة، ومحبة صادقة في قلوب كل من عرفوك.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وألهم أهلك ومحبيك وزملائك الصبر والسلوان.

زر الذهاب إلى الأعلى