السودان إمبراطورية صناعة الكبتاجون الجديدة:
- عقب انهيار نظام الأسد في سوريا تحول السودان إلى مركز صناعة عالمي جديد

– يوجد في السودان حالياً مصانع تنتج 100 ألف حبة مخدر في الساعة!
– استخدام “الكبتاجون” منتشر بين المقاتلين لتثبيط الجوع وتقليل الشعور بالخوف
– عقب انهيار صناعة المخدرات في سوريا، أصبح السودان “مُصنِّعاً” يهدد الأمن القومي لدول الخليج
“الجزء الأول”
أدى انهيار صناعة “الكبتاجون” التي كانت ترعاها الدولة في سوريا، عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، إلى إحداث إعادة توزيع جغرافي لإنتاج المخدرات الاصطناعية نحو البيئات المتأثرة بالصراعات ذات الحوكمة الضعيفة.
تتكشف معالم هذا التحول في خضم توسع عالمي أوسع لأسواق المخدرات الاصطناعية، حيث تمنح المستويات القياسية من العرض والطلب، بما في ذلك ظهور مخدرات اصطناعية جديدة، أبعاداً وتجليات جديدة لمشكلة المخدرات العالمية، وما يصاحب ذلك من أضرار صحية وأمنية وبيئية.
وفي تقرير حديث عن تجار المخدرات وصناعتها في السودان، صادر عن “مرصد السياسات والشفافية في السودان – Sudan Transparency and Policy Tracker “، وهو مرصد بحثي معني بتوثيق الأثر الاقتصادي والسياسي للنزاع الحالي في السودان، وردت العديد من البيانات التي تشير إلى ازدهار صناعة وتجارة المخدرات في السودان.
مركز عالمي جديد
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، برز السودان كمركز جديد ومهم في صناعة هذا المشهد المعاد تشكيله. وتشير بيانات تجريبية جديدة إلى أن السودان بصدد الانتقال من كونه ممر عبور هامشي إلى مركز تصنيع لحبوب “الكبتاجون” المخدرة.
ووفقاً لقاعدة بيانات ضبطيات الكبتاجون الخاصة بمعهد “نيو لاينز” للاستراتيجية والسياسة، تم تسجيل 19 حادثة ضبط وتصنيع في السودان بين عامي 2015 و2025، مع تسارع حاد في هذه العمليات عقب اندلاع الحرب الأهلية في أبريل، إذ تم ضبط ثلاثة مختبرات “مصانع” إنتاج في السودان، وهو رقم يمكن مقارنته بمراكز الإنتاج الناشئة مثل العراق والكويت وتركيا.
توسع القدرة الإنتاجية
توسعت القدرة الإنتاجية لحبوب الكبتاجون في السودان بشكل كبير؛ حيث انتقلت من منشأة واحدة قادرة على إنتاج 7,200 قرص في الساعة (يونيو 2023) إلى مختبر ذي نطاق صناعي في فبراير 2025، مجهز لتصنيع 100 ألف قرص في الساعة، بمعدات تُقدر قيمتها بنحو 3 ملايين دولار.
ووفقاً للتقرير الصادر عن المنظمة، استولت القوات المسلحة السودانية على منشأة ضخمة لإنتاج الكبتاجون عند استعادتها للخرطوم، كما يتم ضبط مخابئ مخدرات أكبر من أي وقت مضى.
وشهدت ولاية البحر الأحمر في يناير الماضي عملية ضبط لما يقرب من نصف طن من المخدرات، كان معظمها من مادة “الكريستال ميث” (الميثامفيتامين البلوري).
كما وقعت عمليات اعتراض متعددة في ولاية البحر الأحمر بالقرب من بورتسودان، ما يؤكد وصول السودان إلى أسواق المستهلكين في الخليج، وربما إلى مناطق أبعد من ذلك.
تداعيات التحول في تجارة الكبتاجون
تشير هذه التطورات إلى اندماج السودان في اقتصاد “الكبتاجون” الأوسع في مرحلة ما بعد نظام الأسد، والذي ينتقل نحو بيئات تتميز بالصراعات، وتجزؤ السلطة، وضعف الضوابط الحدودية، وتغلغل الشبكات غير المشروعة.
وتعتبر دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، “الكبتاجون” تهديداً للأمن القومي بسبب ارتباطه بإدمان الشباب، وشبكات الجريمة المنظمة، وعدم الاستقرار الإقليمي. وبناءً عليه، فإن بروز السودان كمركز إنتاج وعبور على البحر الأحمر يحمل تداعيات تتجاوز حدوده بكثير، مما يزيد من قلق الحكومات الخليجية بشأن طرق التهريب البحري وتنويع مصادر التوريد بعد انهيار “دولة المخدرات” في سوريا.
إنتاج دون رقابة
إن حالة عدم الاستقرار في السودان والصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع يقللان من مخاطر الكشف عن أماكن إنتاج وترويج الكبتاجون، حيث يمكن للأطراف المسلحة تشغيل مواقع الإنتاج دون رقابة مركزية.
كما أن موقع السودان الجغرافي وحدوده المفتوحة على البحر الأحمر، إلى جانب الحدود مع ليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى التي لا توجد بها رقابة قوية، إضافة إلى قربه من أسواق المستهلكين في الخليج، يعزز من قيمته كمركز للإنتاج والعبور للكبتاجون على حد سواء.
ديناميكيات الطلب الداخلي واقتصاد الحرب
ووفقاً للتقرير ولدت الحرب ديناميكيات طلب داخلي كبيرة؛ حيث ساهم الانهيار الاقتصادي، والنزوح، وبطالة الشباب، والصدمات النفسية واسعة النطاق في ارتفاع الاستهلاك المحلي لكل من المواد التقليدية مثل “البنقو” والحشيش، والمخدرات الاصطناعية، بما في ذلك الكبتاجون و”الكريستال ميث” والترامادول.
وتفيد التقارير أن استخدام الكبتاجون منتشر بشكل خاص بين المقاتلين الساعين لتثبيط الجوع، والحفاظ على اليقظة، وتقليل الشعور بالخوف أثناء القتال.
وقود استمرار الصراع
إن التوسع السريع في إنتاج وتجارة المخدرات يجعل من المواد المخدرة مكوناً جذاباً في اقتصاد الحرب، حيث توفر دخلاً قابلاً للتوسع وذا هوامش ربح عالية في ظل ضعف الرقابة الحكومية.
ونتيجة لذلك، لا تكتفي المخدرات بتدمير الصحة العامة والتماسك الاجتماعي في السودان فحسب، بل إنها تساهم أيضاً في تمويل الصراع، وإذكاء استمرارية الأعمال العدائية، وتقويض آفاق الحل.
وبناءً عليه، فإن المخدرات لا تضر بصحة الأفراد والعلاقات الاجتماعية في السودان فحسب، بل إنها تمول الصراع، وتغذي استمرار الحرب، وتعيق فرص حلها.
لقد أجبرت الحرب الكثير من الميسورين على الفرار من البلاد، أما الشباب الذين بقوا في السودان وهم يعانون من البطالة، ويواجهون خوفاً مستمراً من العنف ومخاطر حقيقية بالانجراف فيه، ولا يرون أي آفاق للمستقبل؛ فإنهم يدفعون باتجاه زيادة الطلب على المخدرات رخيصة الثمن كوسيلة للهروب من الواقع، وهو ما أكدته وفرة من المقالات الإعلامية والدراسات الأكاديمية.



