إيران، لبنان، السودان… درس التاريخ في انتحار المشاريع الأيديولوجية المسلحة
المشروع الحضاري المبني علي القومية العربية والأخوة الإسلامية الذي انتهي بالدولة الوطنية الي مافيا عالمية

أسامة كنينة
ثلاث دول كبرى — إيران، لبنان، السودان — أشهدت العالم علي تجربة واحدة متكررة: جماعات إسلامية سياسية استولت على الدولة، حولت ثرواتها وشبابها إلى أدوات لـ”تصدير الثورة” أو “التمكين”، فخربت البلاد من الداخل قبل أن يأتي السيف الخارجي ليحصد ما زرعته. هذا ليس مجرد تشابه عابر، بل هو نمط تاريخي يقوم على معادلة واحدة: تحويل الدولة إلى غنيمة أيديولوجية، ثم دفع الثمن مضاعفاً: انهياراً داخلياً، وتدخلاً خارجياً.
لكن التهديد الذي شكلته هذه الأنظمة لم يقتصر على شعوبها فقط، بل امتد ليهدد السلم والأمن الدوليين عبر شبكات معقدة من الفساد العابر للحدود. هذه الجماعات لم تكتفِ بإنشاء أجهزة موازية في بلدانها، بل صدرت الفساد نفسه إلى العالم أجمع.
—
أولاً: إيران — ولاية الفقيه تتحول إلى مقبرة الشعب
منذ 1979، لم تعد إيران دولة وطنية، بل أصبحت “دولة مشروع”. مشروع تصدير الثورة، ودعم الميليشيات، وبرنامج نووي، وصواريخ باليستية. كل هذا تم تمويله من نفط يُعد من أكبر احتياطيات العالم. الخطيئة الكبرى هنا هي تحويل الدولة من كيان واجبه تقديم الخدمات إلى مجرد وقود للأيديولوجيا. تحولت مؤسسات الدولة (النفط، البنوك، الجيش) إلى وقود للحرس الثوري وفيلق القدس بدلاً من الاقتصاد الوطني. أصبح الأمن الداخلي مرهوناً بقمع الاحتجاجات، والأمن الخارجي مرهوناً بتوسع النفوذ الإقليمي.
النتيجة: عقوبات مدمرة، تضخم يفوق الخيال، احتجاجات شعبية متكررة (2017، 2019، 2022) قمعت بأقسى الطرق. الحرس الثوري الإيراني الذي بنى نفوذه على القمع والصواريخ، وجد نفسه عاجزاً عن حماية النظام عندما انقلبت عليه المعادلة. الضربات العسكرية الأخيرة (2025-2026) وقتل قيادات كبرى كشفت الحقيقة المرة: السيف الذي بنوا به سلطتهم انقلب عليهم. إيران اليوم أمام أزمة خلافة وجودية، ونظام فقد شرعيته الداخلية قبل أن يخسر قوته الخارجية.
—
ثانياً: لبنان — حين تصبح “المقاومة” دولة داخل دولة
في لبنان، لم يكن حزب الله مجرد فصيل مقاوم، بل دولة موازية بكل معنى الكلمة: سيطرة على قرار الحرب والسلم، احتكار للسلاح خارج إطار الدولة، وإيرادات ضخمة من إيران لبناء ترسانة عسكرية هائلة. تم احتكار قرار الحرب والسلام لصالح مشروع إقليمي، مما جعل الدولة رهينة بيد فصيل. جُرّ لبنان إلى حروب (2006، 2023-2024) دمرت الجنوب، وأنهكت الاقتصاد، وساهمت في الانهيار المصرفي الذي دفع أكثر من 80% من اللبنانيين تحت خط الفقر.
النتيجة: بعد تدمير 80% من ترسانته وقتل قيادته الكبرى، أصبح نزع السلاح أمراً واقعياً. حزب الله الذي بنى شعبيته على مقاومة الاحتلال، جر لبنان إلى دمار شامل جعل اللبنانيين أنفسهم يرون في سلاحه عبئاً لا قوة. السيف الذي اعتمدوه للردع تحول إلى سبب الانهيار والتهجير والفقر. لبنان اليوم أمام فرصة تاريخية لاستعادة السيادة، لكن التحدي الأكبر هو تحويل هذا الانهيار العسكري إلى إصلاح سياسي حقيقي.
—
ثالثاً: السودان — حين يلتهم الإخوان بعضهم بعضاً
في السودان، الإخوان المسلمون احتكروا الجيش والأمن والذهب والنفط لثلاثين عاماً. حولوا موارد البلد إلى قمع داخلي وحروب أهلية، وبنوا دولة بوليسية غنائمية لا وطنية. تحولت مؤسسات الدولة إلى “مزارع حزبية” للتمكين بدلاً من التنمية. أُهملت البنية التحتية، وانهار التعليم والصحة، ودفع السودانيون ثمن “التمكين الإسلامي” بدمائهم وأرزاقهم.
النتيجة: الثورة المجيدة 2018-2019 كسرت جزءاً من هذا الاحتكار، لكن الحرب 2023-2026 أكملت التخريب: دمار الخرطوم، مجاعة، نزوح ملايين. الإخوان المسلمون الذين احتكروا السلطة باسم الإسلام، انتهى بهم الأمر إلى حرب أهلية مزقت البلاد وشتت شملهم حتى أصبحوا “بلا حول ولا قوة”. المشهد اليوم هو الأسوأ: صراع نخب على الغنيمة تحول إلى حرب تفتيت وطنية.
—
رابعاً: تهديد عالمي… شبكات الفساد العابرة للحدود
ما يزيد هذه القصة مأساوية أن هذه الأنظمة لم تكن مجرد تهديد لشعوبها، بل شكلت خطراً وجودياً على السلم والأمن الدوليين عبر شبكات مالية وإجرامية معقدة. هذه الجماعات لم تكن مجرد حركات مقاومة، بل كانت إمبراطوريات مالية وجريمة منظمة:
1. أنظمة مالية سرية: بنت هذه الدول أنظمة مالية موازية في كل أنحاء العالم، مستغلة الغطاء الديني والخيري لغسيل الأموال، وتمويل الميليشيات، والالتفاف على العقوبات الدولية.
2. تجارة السلاح غير المشروعة: شبكات دولية معقدة لنقل الأسلحة إلى مناطق الصراع، مما زعزع استقرار دول بكاملها.
3. إغراق العالم بالمخدرات: عقدت هذه الأنظمة تحالفات مع عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية وأفريقيا لتمويل عملياتها. الكبتاغون السوري مثال واحد على كيف أصبحت المخدرات سلاحاً استراتيجياً لتدمير مجتمعات بأكملها.
4. امتلاك أسرار العالم: عبر شبكات مخابراتية موازية، استخدمت التكنولوجيا السيبرانية لابتزاز الدول وامتلاك أسرارها، لشل اقتصادات أو ابتزاز حكومات. تحول امتلاك هذه الأسرار إلى ورقة بقاء، تمنع المجتمع الدولي من التصدي لها بشكل كامل.
—
خامساً: تفكيك القوة… ثم النهاية الحتمية
العالم استطاع أخيراً أن يفكك هذه المنظومة من جذورها: ضرب شبكات التمويل بالعقوبات الذكية، وتتبع تدفقات الأموال، كانت البداية. عندما ماتت القوة الاقتصادية، بدأت العسكرية تتهاوى. ثم الضربات الدقيقة للقيادات والترسانات أكملت المشهد. السيف الذي هدد العالم بهذه الجماعات انكسر أخيراً.
الآن، انتهت المشاريع الكبرى. هذه الجماعات ترفض الاعتراف بهزيمتها، وتلجأ الآن إلى نشر الفوضي الشاملة كورقة أخيرة. لكن هذه المرة، الفوضي لن تنقذهم. العالم أصبح أكثر وعياً بآلياتهم، وشعوبهم أنهكتها عقود من الخراب.
—
الدرس الموحد: السيف الذي يأكل أهله
الدرس واحد في الثلاث: من يبنِ سلطته بالسيف، بذات السيف يموت. هذه المعادلة تولد ثلاث نتائج حتمية:
1. مقاومة داخلية: عندما يتحول الجيش من حارس للوطن إلى حارس للنظام، وعندما تتحول الثروة إلى غنيمة، يثور الشعب (إيران، السودان، لبنان).
2. تدخل خارجي: التوسع الإقليمي وشبكات الفساد العابرة للحدود جعلت هذه الأنظمة تهديداً وجودياً، مما استدعى ردود فعل دولية دمرت ما تبقى من الدولة.
3. انهيار ذاتي: عندما تستنزف الموارد وتتهاوى الشرعية، تنتحر هذه المشاريع بمنطقها الداخلي، ويصبح السيف نفسه أداة الهلاك الجماعي.
الخلاصة: “إما الدولة للجميع، أو الخراب للجميع”
ما تمر به هذه الدول اليوم هو ليس مجرد هزيمة عسكرية، بل هو إفلاس أيديولوجي كامل. الشعوب دفعت الثمن مرتين: مرة أثناء بناء المشروع، ومرة أثناء انهياره. الدرس التاريخي واضح: أي مشروع يضع “القضية” فوق “الإنسان”، أو يضع “التمكين” فوق “الوطن”، مصيره أن يلتهمه السيف الذي رفعه. السيف الذي رفعوه دمّر دولهم وشعوبهم، وهدد به العالم، ثم عاد ليأكلهم جميعاً. الدرس واضح: إما الدولة للجميع، أو الخراب للجميع



