الأعمدة

بارا.. الوقائع تتحدث بصوت الجيش…

وبعد أن تنفست مدينة بارا الصعداء بدخول الجيش، وطرد ميليشيا الدعم السريع من محرابها، نعود لنؤكد أن استعادة هذه المدينة كان أكبر من مجرد تقدم ميداني جديد للقوات المسلحة، والتشكيلات المساندة لها، لقد كانت ملحمةً محمّلةً بالدلالات السياسية والعسكرية والمعنوية، فهذه المدينة التي ظلت حاضرة في النقاش العام خلال الفترة الماضية، بوصفها قريبة المنال وسهلة الاستعادة، تحولت مع تحريرها إلى درس بليغ في فهم طبيعة المعركة وتعقيداتها، وإلى رسالة واضحة بأن القوات المسلحة تمضي في هذه الحرب وفق حسابات دقيقة لا وفق العجلة أو الاندفاع.

لقد قطع الجيش، باستعادة بارا، قول كل خطيب، فخلال الأسابيع الماضية تصاعدت أصوات كثيرة تتساءل: لماذا لم تُستعد المدينة بعد؟ ولماذا يتأخر الحسم في مناطق تبدو جغرافياً قريبة؟ غير أن ما جرى على الأرض أكد مرة أخرى أن المعارك لا تُدار بالأمنيات ولا بالتحليلات السريعة، وإنما تُدار بخطط واستراتيجيات تراعي موازين القوى وتقديرات الميدان وتعقيدات الواقع العسكري، وليس (خبط عشواء).

فمدينة بارا تلك ليست العقدة الجغرافية المهمة في خارطة ولاية شمال كردفان، تمثل موقعاً استراتيجياً يربط بين عدة طرق ومحاور، ولهذا فإن التعامل معها عسكرياً كان قراراً تكتيكياً، وخطوةً محسوبة ضمن سياق أوسع لإدارة العمليات في محور كردفان، ومن هنا جاءت استعادتها لتؤكد أن القوات المسلحة إنما تتقدم وفق رؤية مدروسة، وطبقاً لمراحل تُبنى على الموارد المتيسرة والمنتظر تيسيرها، مع المحافظة على مبدئين مهمين من مبادئ الحرب هما (التوازن، والاقتصاد في القوى) بحيث يكون العمل على تراكم الإنجازات بتقليل الخسائر وتأمين المكاسب.

ومن الدروس البليغة في تجربة استعادة مدبنة بارا أن الانسحاب التكتيكي لا يعني الهزيمة، وأن إعادة الانتشار قد تكون جزءاً من خطة أكبر لاستعادة السيطرة في الوقت المناسب، فقد سبق للجيش أن استرد المدينة ثم انسحب منها في مرحلة سابقة، وهو ما فتح الباب لكثير من التأويلات، لكن عودتها اليوم إلى حضن الدولة تؤكد أن المعركة كانت تُدار بعقل بارد وحسابات دقيقة، وأن لكل خطوة توقيتها الذي يحدده القادة في ضوء معطيات الميدان.

وفي المقابل، تدرك القوات المسلحة جيداً حجم التطلع الشعبي إلى نهاية سريعة لهذه الحرب، فالمواطن السوداني الذي عانى من ويلات القتال والنزوح والدمار يتطلع بطبيعة الحال إلى لحظة الحسم، ويرغب في رؤية ميليشيا الدعم السريع مهزومة ومطاردة خارج كل مدينة وقرية في السودان، وهذه الرغبة الشعبية مفهومة ومشروعة، وهي حاضرة بلا شك في وجدان الضباط وضباط الصف والجنود من الأبطال والفرسان الذين يقاتلون في الميدان.

لكن إدارة الحروب الكبرى لا تخضع فقط لإيقاع العاطفة الشعبية، بل تتطلب صبراً وتخطيطاً وتدرجاً في تحقيق الأهداف، ولذلك فإن القوات المسلحة، وهي تمضي في معركتها، تحرص على أن تكون خطواتها محسوبة بما يضمن تحقيق النصر النهائي لا مجرد الانتصارات المؤقتة، إن ما جرى في بارا يمنح السودانيين قدراً كبيراً من الطمأنينة، فالمدينة التي رزحت تحت وطأة ميليشيا الدعم السريع عادت اليوم إلى فضاءات الدولة، وتحررت من ممارسات الفوضى والانتهاكات التي صاحبت وجود تلك الميليشيا، ويبعث هذا التحول برسالة أمل قوية إلى كل المدن التي ما تزال تعيش تحت وطأة الاحتلال القسري، بأن ساعة الخلاص آتية لا محالة، فالوقائع على الأرض تشير إلى أن ميزان المعركة يمضي تدريجياً في الاتجاه الصحيح، وأن القوات المسلحة، مدعومة بالقوات المساندة لها وبالالتفاف الشعبي الواسع حولها، قادرة على استعادة كل شبر دنسته الميليشيا.

وفي نهاية المطاف، سيعود السودان كما يأمل أبناؤه، وطناً آمناً مستقراً، تُرفع فوق كل مدنه راية الدولة، وتعود الحياة إلى طبيعتها بعد أن تنجلي سحابة هذه الحرب، وحتى يحين ذلك الموعد، يظل المطلوب هو الصبر، ودعم القوات المسلحة، والقوات المساندة لها، واستمرار الالتفاف الشعبي حولها، فالأوطان في لحظاتها العصيبة تنتصر بوحدة شعوبها وثبات جيوشها.

زر الذهاب إلى الأعلى