تقارير

_تساؤلات حول صمت الحركات المسلحة بعد تصنيف واشنطن لإخوان السودان

في السياسة، لا يكون الصمت دائماً حياداً. أحياناً يكون موقفاً بحد ذاته، بل ربما يكون الموقف الأكثر بلاغة. ومن هذا المنظور يطرح غياب رد الفعل من قادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام في السودان أسئلة سياسية وفلسفية عميقة حول طبيعة التحالفات وحدود البراغماتية في زمن الحرب.
فبعد إعلان وزارة الخارجية الأمريكية عن قرارها تصنيف جماعة الإخوان المسلمون في السودان كمنظمة إرهابية، سارعت قطاعات واسعة من القوى المدنية ولجان المقاومة إلى الترحيب بالقرار واعتباره تحولاً مهماً في الموقف الدولي من الإسلام السياسي في السودان. غير أن الصمت الذي التزمته الحركات المسلحة المرتبطة بـ اتفاق جوبا للسلام، وعلى رأسها قيادات مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، فتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات التي تتجاوز الحدث ذاته إلى طبيعة التحولات التي طرأت على هذه الحركات.
بين التاريخ الثوري والواقع العسكري
هذه الحركات نشأت في الأصل كقوى تمرد ضد نظام الإسلاميين الذي حكم السودان لعقود. وقد بنت شرعيتها السياسية على معارضة مشروع الحركة الإسلامية، ومقاومة الدولة التي كانت تُتهم بأنها امتداد لتنظيم الإخوان. لذلك يبدو الصمت اليوم وكأنه مفارقة تاريخية:
كيف يمكن لحركات حاربت الإسلاميين لعقود أن تلتزم الصمت عندما يُصنف خصومها التاريخيون كتنظيم إرهابي؟
الجواب المحتمل يكمن في التحولات العسكرية الراهنة. فبعض هذه الحركات تقاتل حالياً إلى جانب القوات المسلحة السودانية في الحرب ضد قوات الدعم السريع. وتشير تقارير سياسية إلى وجود مجموعات إسلامية مسلحة ضمن المعسكر نفسه. وهنا يظهر التعقيد:
هل يمكن للحركات أن تدين تنظيماً بينما تقاتل عملياً في خندق عسكري واحد مع بعض أتباعه؟
الصمت كاستراتيجية سياسية
من زاوية فلسفية، يمكن فهم هذا الصمت باعتباره استراتيجية تجنب. ففي لحظات الحرب، تميل القوى السياسية إلى تأجيل الصراعات الأيديولوجية لصالح ما تعتبره “الخطر الأكبر”.
لكن هذا يطرح سؤالاً آخر أكثر عمقاً:
هل الصمت تكتيك مؤقت تفرضه ضرورات المعركة، أم أنه مؤشر على تحول بنيوي في هوية هذه الحركات؟
إذا كان تكتيكاً، فإن المستقبل قد يكشف عودة الخطاب القديم بعد انتهاء الحرب.
أما إذا كان تحولاً، فقد يعني ذلك أن هذه الحركات لم تعد ترى الصراع مع الإسلام السياسي كقضية مركزية، بل أصبحت جزءاً من شبكة تحالفات أكثر تعقيداً.
معضلة الشرعية
المشكلة لا تقف عند حدود الداخل السوداني. فالصمت قد يُقرأ دولياً باعتباره قبولاً ضمنياً أو على الأقل تجاهلاً سياسياً لقضية تتعلق بمكافحة الإرهاب. وهذا يضع الحركات أمام معضلة مزدوجة:
داخلياً: كيف تفسر موقفها لجمهور طالما سمع خطابها المعادي للإسلاميين؟
خارجياً: كيف تحافظ على علاقاتها مع المجتمع الدولي الذي يتجه إلى تشديد موقفه من الحركات المرتبطة بالإسلام السياسي؟
سؤال المستقبل
في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا صمتت الحركات المسلحة؟
بل: إلى متى سيستمر هذا الصمت؟
ففي السياسة، كما في الفلسفة، هناك لحظة يصبح فيها الصمت نفسه خطاباً.
وعندما تصل المجتمعات إلى تلك اللحظة، يتحول السؤال من تحليل المواقف إلى اختبار الصدق التاريخي:
هل ما زالت هذه الحركات وفية لجذورها الثورية، أم أنها دخلت مرحلة جديدة حيث تُعاد كتابة التحالفات والعداوات وفق منطق الحرب لا منطق المبادئ؟

زر الذهاب إلى الأعلى