بقلم: د. كمال محمد الامين عبد السلام
في زحمة الأحداث السياسية التي تعصف بالسودان، تطل علينا من حين لآخر أصوات كنا نحسبها اختفت في دهاليز التاريخ، أو على الأقل في زوايا الصمت المفروض بقوة الواقع الجديد. ولكن هيهات، فالتاريخ لا يمحو صفحاته بسهولة، والسياسة لا تعرف الموت الحقيقي لرموزها، بل تعرف فقط النوم المؤقت والصحو المباغت.
وها نحن أمام تصريحات المطلوب للعدالة الدولية المدعو / أحمد هارون، ذلك الرجل الذي يحمل على كتفيه أثقالاً من الماضي تكاد تنوء بها الجبال. رجل ليس كأي رجل، فهو محمّل بتاريخ دموي في دارفور، ومطارد من العدالة الدولية، ومطلوب بخمسة ملايين دولار من الولايات المتحدة. إنه رجل يختصر في شخصه كل معاني الأثقال السياسية والقانونية والأخلاقية
عندما نقرأ النصوص الأدبية، نعرف أن لكل كلمة موضعها، ولكل جملة توقيتها، ولكل فصل مبرر وجوده. وكذلك في السياسة، فالتوقيت ليس مجرد مصادفة، بل هو رسالة محمّلة بالمعاني والمقاصد.
فلماذا الآن تحديداً؟ لماذا في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ السودان المضطرب؟ هل هي مصادفة أن تأتي هذه التصريحات قبل أيام قليلة من اجتماعات الرباعية في واشنطن؟
إن من يظن أن السياسة مجرد عبث أو انفعالات عابرة، فهو واهم أشد الوهم. فأحمد هارون، رغم كل ما يحمله من أثقال، يبقى سياسياً محنكاً يدرك تماماً متى يتكلم وكيف يتكلم، وأهم من ذلك، لماذا يتكلم.
رسائل في زجاجات مكسورة :
تصريحات هارون تشبه رسائل ملقاة في البحر، ولكنها ليست موجهة للمجهول، بل لمتلقين محددين بعناية. فعندما يتحدث عن سيطرة تنظيمه على الجيش، فهو يخاطب المجتمعين في واشنطن برسالة واضحة: “نحن موجودون، ونحن مؤثرون، ولا يمكن تجاهلنا.”
وعندما يطرح فكرة الاستفتاء لاختيار ضابط جديد، فهو يرسل إشارات متعددة الاتجاهات: إلى البرهان برسالة تحذير أو تذكير، وإلى الضباط الموالين للمؤتمر الوطني برسالة تحريض أو تحفيز، وإلى المجتمع الدولي برسالة أن “الحل عبرنا أو لا حل.”
سؤال المشروعية في عالم اللامشروعية:
ولكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل يصح أن يكون لحزب المؤتمر الوطني المحلول أي دور سياسي قادم؟ هل من العدل أن نتعامل مع من أشعل الحرب كطرف في الحل؟
إن هذا السؤال يشبه سؤالاً طرحه طه حسين في كتاباته عن العقل والنقل، عن القديم والجديد، عن التجديد والمحافظة. فهل نقبل بعودة الماضي بحجة أنه واقع لا يمكن تجاهله؟ أم نصر على قطع الصلة نهائياً مع من أغرق البلاد في الدماء؟
الإجابة ليست سهلة، لأنها تتطلب توازناً دقيقاً بين البراغماتية السياسية والمبادئ الأخلاقية. فمن جهة، يمكن القول إن تجاهل واقع وجود هذا التنظيم في مفاصل الدولة قد يكون ضرباً من الحماقة السياسية. ومن جهة أخرى، فإن القبول بهم كطرف شرعي يعني مكافأة الإجرام ومنح شرعية لمن لا يستحقها.
التطهير… ضرورة وجودية
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: التطهير. ليس التطهير العرقي أو الديني، بل التطهير السياسي والمؤسسي. إن تطهير الجيش والأجهزة الأمنية من عناصر التنظيم الإسلاموي المحلول ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وجودية لأي مستقبل ديمقراطي في السودان.
فكما لا يمكن بناء منزل جديد على أسس فاسدة، لا يمكن بناء دولة جديدة على مؤسسات مخترقة من تنظيم أرهابي. والحديث هنا ليس عن الانتقام أو التشفي، بل عن العدالة والضرورة التاريخية.
ختاما : بين الواقع والمأمول
إن تصريحات أحمد هارون، في نهاية المطاف، تذكرنا بحقيقة مرة: أن الماضي لا يموت بسهولة، وأن من يظن أن الثورات تطوي صفحات التاريخ بجرة قلم، فهو واهم.
ولكن هذا لا يعني أن نستسلم لهذا الواقع المر. بل العكس، يجب أن نتعامل معه بوعي ودراية، وأن نعمل على تفكيك شبكات الفساد والإفساد التي نسجها هذا التنظيم عبر عقود من الحكم.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط في جبهات القتال، بل في القلوب والعقول، في المؤسسات والقوانين، في الحاضر والمستقبل. ومن يريد سوداناً جديداً، عليه أن يدفع ثمن هذا التجديد، ولا يقبل بأنصاف الحلول أو المساومات المشبوهة.
فالطريق واحد لا ثالث له: تطهير شامل، ومحاسبة عادلة، وبناء جديد على أسس متينة. وأما من يحاول إيجاد مخارج لهذا التنظيم الإرهابي، فليعلم أنه يحفر قبر الديمقراطية السودانية بيديه
“والحق أحق أن يتبع”



