
أسامة كنينة
حل مجالس إدارات شركات القطاع العام
في خضم الجدل الدائر حول الإصلاح الاقتصادي في السودان، يغفل الكثيرون عن حقيقة جوهرية: ما نشهده ليس مجرد فساد إداري عابر أو اختلاسات فردية يمكن علاجها بتغيير الأشخاص. ما يواجهه السودان هو نظام متكامل للنهب، صُمم بدقة على مدار ثلاثين عاماً، وأُسبغت عليه الشرعية عبر قوانين ودستور وُضعا خصيصاً لحمايته وإعادة إنتاجه.
فكرة أن “الفاسد هو القانون وليس الأشخاص” ليست شعاراً، بل هي تشخيص دقيق لواقع دولة تحولت إلى ما يشبه “شركة قابضة” يمتلكها تنظيم (الإخوان المسلمين/المؤتمر الوطني سابقاً)، ويديرها ضباط كبار بالمعاش، وتُنهب ثرواتها الاستراتيجية (نفط، ذهب، أراض) عبر شركات خاصة تعمل خارج الجهاز المالي للدولة.
النهب المؤسسي.. عندما يشرع الدستور السرقة
منذ وصول الإسلاميين للسلطة في 1989، لم يقتصر مشروعهم على “التمكين السياسي”، بل امتد لبناء قاعدة اقتصادية للتنظيم تضمن استقلاله واستمراريته. هنا، لم يعد الفساد سلوكاً فردياً، بل تحول إلى آلية حكم. تمت صياغة الدستور ليحصن قطاعات بأكملها (كالبترول والأمن) من الرقابة، وجعلها في دائرة السلطة التنفيذية المباشرة. وصدرت قوانين (الشركات، الأراضي، الاستثمار) صُممت أبوابها الخلفية لتكون ممرات آمنة لنهب الثروة.
هذه القوانين الثلاثة تشكل “المثلث الذهبي للفساد”:
· قانون الشركات: سمح بتأسيس كيانات مبهمة الملكية، وشركات ظل في الخارج، وكرّس غموض الملكية الذي يجعل من المستحيل معرفة المستفيد الحقيقي.
· قانون الأراضي: حوّل أراضي واسعة إلى هبات لرجال أعمال محسوبين على النظام بإيجارات رمزية، مما خلق احتكاراً للأرض وطرد المواطنين من ثروتهم الطبيعية.
· قانون الاستثمار: صُمم كجنة ضريبية للمستثمرين الكبار، مع تسهيل تحويل الأرباح للخارج دون رقابة، وإعفاءات طويلة حرمت الخزانة العامة من إيرادات كانت كفيلة بتمويل التعليم والصحة.
طالما بقيت هذه القوانين كما هي، فإن أي حديث عن إصلاح هو مجرد “مسكن ألم”. لأن هذه القوانين ليست مجرد نصوص، بل هي درع حماية للمنهبين. أي إرادة إصلاحية جادة تبدأ بتمزيق هذه القوانين واستبدالها كلياً بأخرى تفرض الشفافية المطلقة وتخضع الجميع للمساءلة.
السلاح والمال.. عندما يتحول الجيش إلى إمبراطورية اقتصادية
أخطر تجليات هذا النظام هو تملك القوات النظامية (جيش، مخابرات، شرطة) لشبكة واسعة من الشركات، وإدارتها عبر ضباط كبار بالمعاش. هذه الظاهرة تمثل “جوهرة التاج” في منظومة النهب.
لماذا يقع الاختيار على الضباط المتقاعدين؟
لأنهم مدربون على الطاعة وحفظ الأسرار وعدم السؤال. ولأن وجودهم على رأس الشركات يخلق هالة من الهيبة تردع أي رقابة. هذه “جوائز تقاعدية” مضمونة تضمن استمرار ولائهم للنظام حتى بعد الخروج من الخدمة.
هذا المزج بين السلاح والمال أدى إلى:
· عسكرة الاقتصاد: تحول الجيش من حامٍ للوطن إلى حامٍ لمصالح النخبة الاقتصادية.
· إفساد المؤسسة العسكرية: الانشغال بالتجارة على حساب التدريب والاستعداد القتالي.
· احتكار غير عادل: منافسة غير متكافئة مع القطاع الخاص، بفضل الإعفاءات والامتيازات اللوجستية.
أي إصلاح حقيقي يبدأ بفصل صارم: عودة القوات النظامية لثكناتها ومهامها الدستورية، ونقل كل أصولها وشركاتها إلى هيئة سيادية تابعة للخزانة العامة، تخضع للشفافية والمراجعة والضرائب. لا يمكن بناء دولة مدنية وفي نفسها يكون جيشها تاجراً منافساً.
الثروات الاستراتيجية.. خارج سيطرة الدولة
المشهد يكتمل بملف الثروات الباطنية (البترول، الغاز، الذهب) والزراعية. هذه الثروات هي ملك الأجيال القادمة، والدولة مجرد وصية عليها. لكن في السودان، تركت لعقود مع شركات خاصة (وطنية وأجنبية) تدار خارج الجهاز المالي للدولة تماماً.
نتيجة ذلك:
· عقود بترولية سرية، لا أحد يعرف بنودها أو نسب توزيع الأرباح.
· أرباح بالمليارات تذهب لحسابات خاصة في الخارج أو لصناديق سوداء داخل السودان.
· ذهب يُستنزف، والدولة لا ترى منه إلا فتات الإتاوات.
· شعب يعاني الفقر والجوع، بينما تُنهب أرضه.
الحل ليس في “تأميم” كل شيء، بل في إخضاع هذه الثروات لسيادة الدولة المالية. يجب أن تذهب عائداتها أولاً إلى الخزانة العامة (حساب الأمة)، ثم توزع بشفافية على التنمية وصندوق للأجيال القادمة. أي شراكة مع القطاع الخاص يجب أن تكون تحت رقابة صارمة، وعقودها معلنة وقابلة للمراجعة.
النظام القانوني هو المشكلة :
ما يمر به السودان ليس أزمة حكم فقط، بل هو صراع وجودي بين مشروع وطني وآخر نهبي. الذين يسيطرون على الاقتصاد اليوم ليسوا مجرد فاسدين، بل هم منظومة متكاملة: تنظيم سياسي يحكم، وقوانين تحميه، وأجهزة أمنية تمول نفسها بنفسها، وشركات خاصة تنهب الثروات، وضباط متقاعدون يديرونها.
طالما بقي هذا “السيستم” قائماً، فلن يستطيع أي مصلح، مهما كانت قوته (شمسون الجبار)، أن يغير شيئاً. لأنه سيجد نفسه أمام قوانين تشرع السرقة، وأجهزة مسلحة تحميها، وشركات خاصة تسيطر على مقدرات البلاد خارج أي مساءلة.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من نقطة واحدة: تفكيك البنية القانونية والمؤسسية للفساد. يبدأ بتغيير القوانين، وفصل السلاح عن المال، وإعادة الثروات الاستراتيجية إلى حضن الدولة والمواطن. وإلا، فكل ما يقال عن إصلاح هو مجرد حبر على ورق، ومسكن ألم مؤقت لداء عضال اسمه “الدولة العميقة للنهب المنظم”.
–



