
مجدي جادو
من أغرب ما سجله الفرنسيون 1798 ■1801
عن سلوك المصريين في نهار رمضان حالة “التحول الدرامي في الشخصية” بين الصباح والمساء، وهو ما أطلقوا عليه أحياناً “نوم الأحياء”. حين تعجبوا من أن شوارع القاهرة، التي كانت تعج بالضجيج والزحام في الأيام العادية، تتحول في نهار رمضان إلى ما يشبه “المدن المهجورة”. كتب أحد الضباط: “تمشي في سوق خان الخليلي وقت الظهيرة فلا تسمع إلا وقع أقدام الجنود، الحوانيت مغلقة، والباعة جالسون خلف بضائعهم في صمت مطبق، وكأن المدينة أصابتها لعنة السكون”. وطبعا بالنسبة للأوروبي الذي يعتاد العمل الجاد في النهار، كان مشهد “التوقف الجماعي عن الحياة” أمراً غير مفهوم. كما تحدثوا عن ظاهرة اجتماعية طريفة أسموها “حدة الطباع قبل الغروب”. حين لاحظوا أن المصريين، المعروفين بليونة الجانب والمزاح، يصبحون في الساعات الأخيرة قبل الأذان “شديدي الاستثارة”.
كتب المؤرخ “جومار” أن المشاحنات في الأسواق تزداد بين الباعة والمشترين على أتفه الأسباب، لكن الغريب – كما ذكر – أن هذه المشاحنات تنتهي فجأة وبمجرد سماع صوت “المدفع”، حيث يتعانق المتخاصمون ويتبادلون التمر وكأن شيئاً لم يكن!
من أغرب المشاهد التي سجلتها مذكراتهم هي وقوف الفقراء والعامة أمام محلات “الكنفاني” و”الحلواني” في نهار رمضان. كان الناس يقفون لساعات يراقبون تصاعد الدخان وروائح السمن والسكر وهم “صامتون تماماً”، يكتفون بالنظر إلى عملية التصنيع دون تذوق. واعتبر الفرنسيون هذا المشهد نوعاً من “التعذيب الذاتي الممزوج بالتلذذ الخيالي”، ووصفوه بأنه قمة الانضباط الروحي الذي لا يتخيله عقل أوروبي. كما رصدت رسائل الجنود عادة غريبة وهي خروج النساء (اللاتي كنّ محتجبات تماماً في العادة) لوضع أوانٍ كبيرة من الماء أو اللبن أو التمر أمام بيوتهن قبيل الغروب. كانت هذه الأواني مُتاحة لأي “عابر سبيل” أو غريب ليفطر عليها. واندهش الفرنسيون من أن هذا “البوفيه المفتوح” في الحارات لم يكن بتنظيم من الدولة، بل كان “قانوناً اجتماعياً غير مكتوب” يلتزم به أفقر الناس قبل أغناهم. وعن المسحراتي دون بعضهم في رسائله تعجبه من أن المصريين كانوا يثقون في “شخص يمر في الشوارع بطبلة” لإيقاظ الحي بأكمه، ويتساءلون: “كيف لا يغضب هؤلاء الناس من شخص يطرق الأبواب ويصرخ بأسمائهم في منتصف الليل؟” بل كانوا يجدون العكس، فالناس يكافئونه بالمال والطعام!
وخرج عديد من الباحثين الفرنسيين في تقاريرهم عن حالة المصريين في شهر رمضان، ان الشهر الذي يصوم فيه المسلمون ليس مجرد شهر ديني، بل هو “نظام تشغيل مختلف” للمجتمع المصري باكمله، يجعل السيطرة عليهم نهاراً مستحيلة بسبب خمولهم، والسيطرة عليهم ليلاً صعبة بسبب تكتلهم واحتفالاتهم الصاخبة .”
راقت لي.. نقلا عن الباحث والكاتب دكتور جاسم خلفان
وفيها من طباع المصريين وسلوكهم وألوان الحياة في مصر خلال شهر رمضان الكريم ما يحفظه ويسجله التاريخ عن وقائع الحياة
المصرية خاصة في المناسبات والأعياد.



