


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مشهدٍ يُجسّد فداحة الانحدار الأخلاقي الذي بلغته الحالة السودانية، تواصل المحاكم المنعقدة في ظل حكومة الأمر الواقع إصدار أحكام الإعدام والسجن المؤبد بحق مواطنين سودانيين عُزَّل، فيما تفتح تلك الحكومة ذراعيها لاستقبال من اعترفت هي ذاتها بأن أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء، وكأن الوطن صار ساحةً لتصفية الحسابات لا معبداً للعدالة.
منذ اندلاع شرارة الحرب الكارثية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وجد عشرات الآلاف من السودانيين أنفسهم في مواجهة خيارات مستحيلة، فقد انسحبت القوات المسلحة من مدن ومناطق بأسرها تاركةً المدنيين وجهاً لوجه مع واقعٍ فرضته قوات الدعم السريع بحدّ السلاح. وفي هذا الفراغ القسري، وجد هؤلاء المواطنون أنفسهم مضطرين للتعامل مع السلطة الفعلية المسيطرة على أرضهم وطعامهم وأمنهم، لا اختياراً ولا انتماءً، بل دفعاً للأذى وحفاظاً على النفس .
غير أن السلطة القضائية التابعة للحكومة لم تُفرّق في الغالب بين من حمل السلاح طوعاً ومن باع كوباً من الشاي مُكرهاً. فقد سُجِّلت أكثر من خمسة عشر ألف تهمة في مواجهة متهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وبدأت محاكم الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في إصدار أحكام الإعدام شنقاً والسجن المؤبد، في محاكمات طُعن في نزاهتها وعدالتها حتى من قِبَل منظمات حقوقية سودانية ودولية. وقد وصف المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ما جرى بأنه “انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان”، داعياً إلى التحقيق الفوري ومحاسبة الجميع بمن فيهم من يحملون المسؤولية القيادية.
والأشد إيلاماً أن كثيراً من هؤلاء المُحكوم عليهم ينتمون إلى الطيف المدني البعيد عن الاصطفاف العسكري، ناشطون من شباب ثورة ديسمبر المجيدة، وأطباء، ومعلمون، ومحامون، وجدوا في قفص الاتهام بدلاً من الفضاء الحر الذي ضحّوا من أجله. بل إن منظمة “محامو الطوارئ” كشفت عن اعتقال خمسة محامين في ولاية الخرطوم لمجرد انتدابهم للدفاع عن متهمين، في سابقة تمثل ضرباً صريحاً لاستقلال القضاء وحق الدفاع المكفول دستوريا ودوليا .
وبينما يُحكم هذا المشهد المتناقض خناقه على الضحايا، نرى الحكومة ذاتها تُرحّب بانشقاق قادة ميدانيين من قوات الدعم السريع وتستقبلهم في “حضن الوطن”، دون أن يُسأل هؤلاء عن المجازر التي شهدت عليها مدن بأسرها، ودون أن يُنصف أهل الضحايا الذين سقطوا تحت نيران هؤلاء العائدين المُحتفى بهم. وفي هذا السياق المثير للاستغراب والاستنكار، سارع الشيخ عبد الحي يوسف – الذي لم يزل يحمل على كاهله وصمة الفتوى المشؤومة التي أجاز فيها للديكتاتور المخلوع عمر البشير قتل ثلثي الشعب السوداني إذا اقتضى الأمر للإبقاء على سلطته – سارع إلى إسباغ شرعيته الفقهية على استقبال هؤلاء القادة المنشقين من قوات الدعم السريع وإعادة اندماجهم في المنظومة العسكرية الرسمية، متجاهلاً تجاهلاً مُتعمَّداً ما يُوجبه الفقه الإسلامي ذاته من صون الحق الخاص لأهل الضحايا، وما تستوجبه الأعراف القانونية من محاسبة كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء قبل أي حديث عن مصالحة أو إدماج.
إن الازدواجية الصارخة في معيار العدالة لا يمكن وصفها إلا بأنها عدالة مُصادَرة وموظَّفة في خدمة البقاء في السلطة، فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بانتقائية التطبيق، ولا تُصان بمحاكمة الضعفاء وإفلات الأقوياء. إن السودان بوصفه دولةً وشعباً وتاريخاً لن يستعيد عافيته ما لم تُبنَ منظومة عدالة انتقالية حقيقية تُحاسب الجميع بالمعيار نفسه، وتُنصف كل من أُزهقت روحه أو انتُهكت كرامته بصرف النظر عن هوية الجلاد.
إن العدالة لا تتجزأ، وحين تتجزأ تتحول إلى أداة انتقام لا أداة إنصاف، وحين تتحول كذلك يصير الوطن سجناً كبيراً لا وطناً.



