


كتب: معاوية أبوالريش
أيها السودانيون الكرام، اطمئنوا! منتخبكم الوطني بخير، وإدارته في أتم الصحة والعافية، وقد أثبتت مرة أخرى أنها تمتلك مهارة لا يجاريها فيها أحد في القارة الأفريقية كلها – مهارة تضييع الفرص الذهبية بدقة متناهية وبلا أدنى تعب، ثم الخروج على الملأ بتبريرات تجعل الكارثة تبدو إنجازاً!
“الجريمة.. بتفاصيلها الكاملة”
تلقّى المنتخب السوداني الأول دعوة رسمية لخوض مباراة أمام نظيره الأرجنتيني، بطل آخر نسخة من كأس العالم، خلال فترة التوقف الدولي في مارس 2026.
دعوة رسمية! إلى بوينس آيرس! في ملعب بومبونيرا الأسطوري! أمام ميسي وأبطال العالم! هذه ليست مجرد مباراة كرة قدم – هذه شهادة ميلاد جديدة لكرة قدم سودانية تطرق أبواب الكبار، وتقول للعالم: نحن هنا!
فماذا فعل الاتحاد السوداني لكرة القدم بهذه الهدية؟
ردّها!
نشر الاتحاد بياناً رسمياً جاء فيه: “تلقّى المنتخب الأول دعوة رسمية لمواجهة الأرجنتين في بوينس آيرس ضمن أيام الفيفا. وقامت لجنة المنتخبات الوطنية برئاسة الدكتور أسامة عطا المنان بإخطار المدرب الغاني كواسي أبياه، وبعد دراسة فنية قرر المدرب الاعتذار عن خوض المباراة. وبناءً على توصية الجهاز الفني، اعتذرت لجنة المنتخبات الوطنية عن المواجهة، مع التأكيد على استمرار التعاون مستقبلاً بين الاتحادين”
“دراسة فنية”!! يا لعمق التفكير، ويا لثقل المسؤولية التي يتحملها هؤلاء السادة وهم يجلسون حول طاولتهم الموقّرة “يدرسون” كيف يرفضون ميسي! تُرى كم استغرقت تلك الدراسة المضنية؟ ساعة؟ دقائق؟ أم أن القرار كان جاهزاً قبل أن تُفتح الرسالة؟! والأجمل في البيان تلك الجملة الختامية الرقيقة عن “استمرار التعاون مستقبلاً” يعني: رفضنا اليوم، لكننا نحبكم كثيراً! وكأن الأرجنتين ستظل واقفة تنتظر “مستقبلنا” المجيد!
“موريتانيا قبلت.. فماذا تقول دراستنا الفنية؟”
بعد أن رفض السودان الدعوة، أعلنت الأرجنتين اتفاقها مع موريتانيا للعب في السابع والعشرين من مارس على ملعب بومبونيرا.
أعيدوا قراءة هذه الجملة ببطء وتمعّن!
موريتانيا – التي تأتي في تصنيف دولي أدنى من السودان – لم تُجرِ “دراسة فنية”، ولم تعقد اجتماعات طارئة، ولم تُصدر بيانات مطوّلة. قالت ببساطة: نعم! وحزمت حقائبها، وطارت إلى بوينس آيرس، وستقف أمام كاميرات العالم في أعرق ملاعب كرة القدم تاريخاً وأكثرها هيبةً!
أما نحن؟ جلسنا نتأمل “دراستنا الفنية” ونقرأ بيانات فيسبوكية عن “التعاون المستقبلي”!
هنيئاً لموريتانيا بمسؤوليها. وعزاءً لنا بمسؤولينا!
“البيان الرسمي.. وكمال الفضيحة”
ثم خرج علينا الاتحاد السوداني لكرة القدم بعد كل هذا ببيان يُفصح فيه عن البرنامج البديل كاملاً، فأعلن – وبكل ثقة – أن المنتخب الوطني الأول “صقور الجديان” سيخوض وديتين في نافذة الفيفا يومي الثامن والعشرين والحادي والثلاثين من مارس 2026 في مدينة جدة، أمام “المنتخب السعودي الأخضر – دوري روشن B”، وأن المباراتين سيديرهما بالنيابة عن المدير الفني كواسي أبياه مدرب المنتخب الأولمبي محمد محيي الدين الديبة!
وأضاف الدكتور أسامة عطا المنان، رئيس لجنة المنتخبات، مبرراً هذا الاختيار بأن “الجهاز الفني يعمل على بناء منتخب جديد للاستحقاقات القادمة وعملية الإحلال والإبدال”، وأن خوض وديتين بدلاً من واحدة يُتيح “الوقوف على مستوى عدد كبير من اللاعبين”!
وهنا يقف المرء ويسأل بكل هدوء: إذا كان الهدف هو الإحلال والإبدال والاطلاع على مستوى اللاعبين، فأيّ اختبار أجدى وأنفع – مواجهة بطل العالم أمام الكاميرات الدولية، أم وديتان في معسكر تطويري داخلي لا يعلم بهما أحد خارج الحدود؟!
ولا غبار – تكراراً وتأكيداً – على الاتحاد السعودي ولا على المنتخب السعودي الثاني الذي يؤدي دوره التطويري الداخلي بكل احترافية. الغبار كله والحرج كله على الاتحاد السوداني الذي ارتضى لصقوره هذا المستوى بديلاً عن بومبونيرا!
“وهناك ما هو أمرّ: نقاط التصنيف تذهب هباءً”
لكي تُحتسب المباراة في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم وتُضاف نقاطها الحقيقية لرصيد المنتخب، تشترط اللوائح الدولية ضوابط صارمة لا تقبل الاستثناء:
أن تكون المباراة بين منتخبين أوليين رسميين معتمدَين، وأن تُسجَّل لدى الاتحاد الدولي قبل إقامتها، وأن يديرها حكام دوليون معتمدون، وأن تلتزم بقوانين اللعبة كاملةً بما فيها عدد التبديلات المحدد، وأن يُرفع تقرير المباراة للاتحاد الدولي في موعده، وأن تكون معترفاً بها رسمياً وفق تعميمات التصنيف المعتمدة.
مباراة بومبونيرا ضد الأرجنتين كانت تستوفي كل هذه الشروط مجتمعةً، وكانت نقاطها تُضاف إلى رصيد السودان في سلّم التصنيف العالمي بحق وجدارة. أما الوديتان اللتان اختارهما الاتحاد السوداني أمام “الأخضر B”، فإن الاتحاد الدولي لن يُدرجهما في سجلاته المعتمدة، ولن تُضيفا للسودان نقطة واحدة في التصنيف الدولي.
بعبارة أوضح: رفضنا الذهب واخترنا ما لا يُوزن ولا يُحتسب – وهذه ليست سخرية، بل حقيقة موجعة يعرفها كل من قرأ تعميمات الفيفا!



