
بقلم: نفيسة حجر
في ظل الظروف القاسية التي يعيشها السودان اليوم، لم يعد القانون هو الحصن الذي يحتمي به المواطن، بل صار في يد سلطة الأمر الواقع “عجينة” يتم تُشكلها كيفما يشاؤن.
ولعل أكبر تجليات هذا الانهيار القانوني هو بروز مصطلح “متعاون” كواجهة للاعتقال والتنكيل، فهو مصطلح يفتقر لأي سند في “القانون الجنائي السوداني لعام 1991″، بل هو بدعة أمنية تم شرعنتها بصمت مريب وتواطؤ مفضوح من المؤسسات العدلية التي كان يُفترض أن تكون حارساً للحقوق لا أداةً للقمع.
إن المحاكمة تحت توصيف “المتعاون” هي “تجريم بلا نص”؛ حيث تُستغل الكلمات الفضفاضة لسلب الحريات بعيداً عن مواد القانون الجنائي التي تشترط “يقين النص”. وما نشهده الآن هو “ميوعة” مقصودة لخدمة أجندات أمنية فالقانون لا يعاقب على “الأوصاف”، بل يعاقب على “الأفعال” المحددة. وعندما تصمت النيابة العامة أو يمرر القضاء محضر تهمة تحت هذا التوصيف، فإنهم لا يطبقون القانون، بل يشرعنون “فخاً مطاطاً” يتمدد ليصطاد الأبرياء بناءً على موقعهم الجغرافي، أو كسبهم المعيشي، أو وشاية كاذبة. إنه “قانون مزاجي” ينسف مبدأ المساواة ويحول حق المواطن في البقاء بمنزله أو ممارسة عمله إلى تهمة جنائية، ويترك مصير الناس لتقدير “المزاج الأمني” الذي يمدد التهمة ويقلصها بلا رقيب ولا حسيب.
إن ما يحدث في أروقة العدالة اليوم ليس مجرد هدم لموازين القضاء، بل هو هدم لأركان الدولة ذاتها.
فالدولة في جوهرها هي “عقد اجتماعي” قوامه العدل، وإذا سقط العدل تحولت الدولة إلى مجرد تسلط مقنّن. عندما يرى المواطن أن “أروقة العدالة” تُستخدم لتصفية الحسابات تحت تهم وهمية، فإنه يفقد الانتماء لهذا الكيان ويبحث عن حماية خارج إطاره، مما يؤدي لتمزيق النسيج الاجتماعي وشرعنة “قانون الغاب”.
إنهم يقتلعون الأوتاد التي تثبت خيمة الوطن فالسلطة التي تضحي بالقانون من أجل “معاركها المؤقتة” تضحي بـ “بقاء الدولة” على المدى البعيد، فالدولة بلا عدل هي مجرد هيكل خاوٍ ينهار عند أول اختبار.
هذا المسلك يمثل خيانة جسيمة لنصوص “الوثيقة الدستورية” والمواثيق الدولية فالمادة (52) من وثيقة الحقوق تفرض إخطار المتهم بتهمته بصورة “مفصلة” وواضحة. والادعاء بأن شخصاً ما “متعاون” دون تحديد فعل مادي — كالتجسس أو إثارة الحرب بأدلة ملموسة — هو انتهاك يجعل من المحاكمة العادلة مسرحية هزلية. وليعلم كل وكيل نيابة يوقع على أمر قبض، أو قاضٍ يجدد حبساً تحت هذا المسمى الوهمي، أن “مخالفة القانون باسم القانون” هي جريمة لا تسقط بالتقادم، وأن التذرع بظروف الحرب أو أوامر الطوارئ لا يعفي من المسؤولية الجنائية الفردية عن حرمان الناس من حرياتهم بلا وجه حق.
إن العدالة التي تُنتهك اليوم ب “بجرة قلم” ستكون هي نفسها الميزان الذي سيُحاكم به من انتهكوه غداً. إن محاولة تدجين القانون عبر مصطلحات مطاطة لن تبني دولة، بل تؤسس لخراب عريض. إننا لا نناشد أحداً، بل نسجل للتاريخ: أن كل من صمت أو شارك في شرعنة “تجريم بلا نص” هو شريك أصيل في ضياع حقوق السودانيين وفي هدم أركان الدولة التي لن تستقيم أبداً على أساس من الظلم.



