
✍️ بقلم: محمد الفاتح حضرة
قال رسول الله ﷺ:
«إحرص على ما ينفعك، وأستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.»
هذه هي “لو” التي نهى عنها النبي ﷺ…
لو التحسر على الماضي…
ولو الاعتراض على قدر الله…
أما “لو” التي نكتبها اليوم…
فليست إعتراضاً على القدر…
وإنما هي “لو” التاريخ… و”لو” المحاسبة… و”لو” التي تمنع تكرار المأساة.
لأن الأمم التي لا تتعلم من أخطائها… محكوم عليها أن تعيشها مرةً بعد أخرى.
🛑 لو كانت العدالة قد أخذت مجراها…
لو أن السودان بعد 25 أكتوبر 2021 احتفظ بنيابة عامة مستقلة…
وقضاء مستقل…
ومحكمة دستورية مستقلة…
ولو خضع الجميع لسيادة الدستور والقانون…
لربما كان تاريخ السودان اليوم مختلفًا تماماً.
كان الواجب أن تبدأ الدولة عبر النيابة العامة والسلطة القضائية بالتحقيق في أخطر جريمة سياسية شهدها السودان بعد ثورة ديسمبر…
جريمة تقويض النظام الدستوري والانقلاب على الحكومة الانتقالية.
ففي كل الدول التي تحترم الدستور…
لا تكون أول أولوية هي ملاحقة الخصوم السياسيين…
بل محاسبة من يهدم النظام الدستوري نفسه.
لكن…
ما الذي حدث؟!!
🛑 العدالة التي توقفت…
منذ إستيلاء قادة الجيش وقادة الدعم السريع على الحكم في 25 أكتوبر، لم تتوقف العملية السياسية وحدها…
بل توقف معها – عملياً – مسار العدالة في أخطر الملفات الوطنية.
توقفت ملفات محاكمة مدبري إنقلاب نظام الإنقاذ 30 يونيو 1989.
وأُطلق سراح عدد من المتهمين في تلك القضايا…
وغادر بعضهم السودان…
بعد أن كانوا يواجهون محاكمات أمام القضاء خلال الفترة الانتقالية.
وتوقفت كذلك بلاغات قتل شباب ثورة ديسمبر…
وتباطأت أو تجمدت التحقيقات في ملفات شهداء المواكب…
وظلت قضية فض إعتصام القيادة العامة – وهي من أكبر القضايا في تاريخ السودان الحديث – بلا نهاية قضائية تحقق تطلعات أسر الضحايا.
بل إن النص الوارد في الوثيقة الدستورية بشأن إنشاء آلية مستقلة للتحقيق في تلك الجرائم لم يعد قائماً بعد الإجراءات الدستورية التي أعقبت إندلاع الحرب بين شريكي الإنقلاب، حيث قام الجنرال البرهان بإلغاء ذلك النص في الوثيقة الدستورية الخاص بما يسمي باللجنة الوطنية للتحقيق في الجرائم والمجازر والانتهاكات والإغتصابات التي أُرتكبت ضد شباب ثورة ديسمبر..
تمّ فعلياً حلّ لجنة نبيل أديب وكان المنتظر هو ان تتحرك النيابة العامة لإستكمال التحقيقات في كل بلاغات قتل شباب الثورة وبلاغات ضحايا الاعتصامات والمواكب والمظاهرات..
ولكن..فيما يبدو أن النيابة العامة عاجزة عن سلوك هذا المسار في ظل هيمنة العسكر الانقلابيين 😡‼️
🧐🤔 والسؤال الذي يفرض نفسه…
إذا كانت الدولة قد أوقفت أو عطلت كل هذه الملفات…
فأي رسالة كانت توجهها للسودانيين؟!!
🛑 ثم بدأت العدالة تتحرك… ولكن في اتجاه واحد‼️
المفارقة التي يصعب تجاهلها…
أن العدالة التي توقفت في مواجهة ملفات الإنقلاب…
وعُطلت في مواجهة قتل المتظاهرين…
وعجزت عن الوصول إلى الحقيقة في فض الاعتصام…
هي نفسها التي نراها اليوم تصدر أحكاماً بالإعدام في ملفات أخرى ضد شباب الثورة وبعض رموزها وقياداتها ‼️💢
وهنا يصبح السؤال مشروعًا…
هل المشكلة في عقوبة الإعدام؟!!
لا…
فالقانون السوداني يعرفها منذ عقود.
لكن المشكلة هي:
لماذا تتحرك العدالة في إتجاه… وتتوقف في الإتجاه الآخر؟!!
ولماذا تصبح بعض الملفات مقدسة لا يجوز الاقتراب منها…
بينما تُفتح ملفات أخرى بكل سرعة؟!!
🛑 قضية الشهيد أحمد الخير… هل يكتمل المشهد؟
يتذكر السودانيون جميعًا قضية الشهيد – بإذن الله – الأستاذ المعلم أحمد الخير.
وقد انتهت محاكمات المتهمين بقتله خلال الفترة الانتقالية إلى أحكام بالإعدام، وأُيِّدت عبر درجات التقاضي المختلفة.
لكن اليوم…
يتساءل كثيرون:
هل ستبقى هذه الأحكام كما هي؟
أم أن إعادة تشكيل مؤسسات العدالة ستقود إلى مراجعة كثير من الأحكام والبلاغات التي ارتبطت بالعهد السابق؟
إنه سؤال يفرض نفسه…
ولا يستطيع أحد تجاهله.
🛑 المحكمة الدستورية… آخر قطعة في لوحة المشهد‼️
وأخيراً…
أُعيد تشكيل المحكمة الدستورية.
وهنا لا يدور الجدل حول أهمية المحكمة…
فهي من أهم مؤسسات الدولة.
وإنما يدور حول استقلالها.
لأن المحكمة الدستورية ليست محكمة عادية…
بل هي الحارس الأخير للدستور…
وهي التي قد تُحسم أمامها في المستقبل ملفات من أخطر الملفات السياسية والجنائية في تاريخ السودان.
ولهذا فإن أي جدل حول طريقة تشكيلها أو استقلالها سيظل حاضرًا، لأن الثقة في العدالة لا تقوم على النصوص وحدها، وإنما تقوم أيضًا على ثقة الناس في استقلال من يطبقها.
🛑 هل نحن أمام ملامح مذبحة قضائية جديدة؟!! 🧐
إذا كانت البلاغات ضد مدبري انقلاب 1989 قد توقفت…
وإذا كانت ملفات شهداء ديسمبر قد جُمِّدت…
وإذا كانت قضية فض الاعتصام لم تصل إلى خواتيمها…
ثم بدأت في المقابل أحكام الإعدام تتوالى في ظل سلطة الأمر الواقع…
فإن من حق كل سوداني أن يسأل:
إلى أين تتجه العدالة في السودان؟!!
وهل نحن أمام قضاء يحاكم الجميع بمعيار واحد…
أم أمام عدالة تنتقي خصومها… وتتجاوز حلفاءها؟!!
هذه أسئلة مشروعة…
لأن استقلال القضاء لا يُقاس بعدد الأحكام…
وإنما يُقاس بقدرته على أن يقف على المسافة نفسها من جميع الخصوم.
🛑 لوّ… التي لا تفتح عمل الشيطان‼️
لو كانت العدالة قد أخذت مجراها بعد 25 أكتوبر 2021…
ولو حوسب كل من قوض النظام الدستوري…
ولو استمرت محاكمات قتلة شباب الثورة…
ولو اكتملت محاكمة المسؤولين عن فض الاعتصام…
ولو لم تتوقف عجلة العدالة كلما اقتربت من أصحاب النفوذ…
فلعل السودان ما كان ليصل إلى حرب 15 أبريل 2023…
ولا إلى هذا الخراب الذي نعيشه اليوم.
هذه ليست “لو” اعتراضًا على قدر الله…
بل هي “لو” يكتبها التاريخ حتى تعرف الأجيال القادمة أن الأوطان لا تسقط عندما تقع الجريمة…
وإنما تسقط عندما يتوقف تطبيق القانون على الأقوياء… ويصبح القضاء جزءًا من الصراع على السلطة، بدلًا من أن يكون ميزانًا للعدل بين الناس.
🛑 والأعجب من ذلك كله…
أصدرت إحدى محاكم الخرطوم اليوم أحكامًا غيابية بالإعدام على عدد من قادة الدعم السريع، وهم موجودون أصلًا خارج مناطق سيطرة الجيش، ولا تملك السلطة القائمة أي قدرة عملية على تنفيذ تلك الأحكام.
🧐🤔 فماذا تحقق الدولة عندما تصدر حكمًا تعلم سلفًا أنها لا تستطيع تنفيذه؟!!
إذا كانت العدالة جادة في محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق السودانيين، فلماذا لا تبدأ بمن هم داخل مناطق سيطرتها، ومن انضموا إليها، مثل النور القبة، ومحمد بقال سراج، والساڤنا، وأبو عاقلة كيكل، وغيرهم ممن أصبحوا في متناول سلطاتها؟!!
🫵إن العدالة لا تُقاس بعدد أحكام الإعدام التي تُصدرها المحاكم… وإنما تُقاس بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع، بلا انتقائية… وبلا استثناءات… وبلا اعتبارات سياسية. وإلا تحولت الأحكام إلى رسائل سياسية أكثر منها أحكامًا قضائية. ‼️



