الأعمدة

مأساة السودانيين ما بعد الاستعمار

بقلم :عثمان شيخ الدين عكرة
لم تكن مأساة السودان يومًا في أن المستعمر خرج من الباب، بل في أنه خرج من الباب وترك وراءه البيت مفخخًا بأفكاره ومؤسساته ونخبه. فالمستعمر لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى إلى احتلال الوعي أيضًا؛ يزرع في الدولة ما يضمن بقاء تأثيره بعد الرحيل، ويصنع من داخل المجتمع من يواصلون إدارة البلاد بعقلية الاستعمار وإن تغيّر الاسم والراية.لهذا ظل السودان، منذ الاستقلال، يواجه أزمة أعمق من أزمة الحكم. فالمشكلة ليست فقط في سقوط نظام وصعود آخر، بل في أن كل انتقال سياسي تقريبًا كان يجري فوق أرضية قديمة لم تُهدم، بل أُعيد استخدامها. ثورات الشعب كانت تطيح الوجوه، لكنها كثيرًا ما تُبقي البنية نفسها: دولة مركزية متصلبة، نخب سياسية محدودة الخيال، ومؤسسات ورثت من المستعمر قدرة السيطرة أكثر مما ورثت معنى الخدمة العامة.المعضلة الكبرى أن من يملك القوة لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يجهز المستقبل على هواه. وهنا تصبح السيطرة على التعليم، والإعلام، والإدارة، والجيش، جزءًا من معركة طويلة لا تُرى بالعين المجردة. فحين تُصاغ العقول على أن الممكن هو فقط ما تسمح به النخبة الحاكمة أو الإرث الاستعماري، يصبح الخروج من الأزمة أكثر صعوبة من إسقاط الحاكم نفسه.في السودان، لم تكتمل لحظة التحرر لأن الاستقلال السياسي لم يتحول بالقدر الكافي إلى استقلال في التفكير والبناء. لذلك بقيت البلاد تدور في حلقة مفرغة: ثورة تعقبها خيبة، ثم انقلاب، ثم انتقال هش، ثم عودة إلى نقطة البداية. وكأن الشعب يثور كل مرة على النتيجة، لا على الجذر.إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتبديل الوجوه ولا بتجميل الخطاب، بل بإعادة تأسيس الدولة على قاعدة جديدة: دولة لا تتعامل مع المواطن بوصفه تابعًا، ولا مع المستقبل بوصفه امتدادًا لمخططات الآخرين. السودان يحتاج إلى ثورة على البنية قبل الثورة على السلطة، وعلى العقل السياسي الموروث قبل مواجهة الخصوم. عندها فقط يمكن أن يصبح المستقبل ملكًا لأهله، لا مشروعًا جاهزًا في يد من اعتادوا صناعة البدائل قبل أن يثور الشعب.
#عثمان_عكرة

زر الذهاب إلى الأعلى