ترسيم الحدود بين المجتمعات شرطًا للسلام المستدام في السودان: نحو عدالة مكانية تعيد تعريف الدولة

خالد كودي، بوسطن
في السياق السوداني الراهن، لم تعد مسألة الحدود مجرد شأن جغرافي أو إداري، بل غدت مسألة سياسية–أخلاقية مركزية ترتبط مباشرة بإمكان بناء سلام مستدام. ففي ظل تفكك الدولة المركزية، خاصة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وانهيار احتكارها للسلطة، تتحول الحدود من خطوط صامتة إلى أدوات حاسمة لإعادة تنظيم العلاقة بين المجتمعات، وإعادة توزيع السلطة والموارد، والاعتراف بالحقوق التاريخية التي طال إنكارها منذ تكوين الدولة السودانية الحديثة في 1956. وعليه، فإن ترسيم الحدود—بين الدولة والمجتمعات من جهة، وبين القبائل والمكونات الاجتماعية فيما بينها من جهة أخرى—لا ينبغي النظر إليه كتهديد للوحدة، بل كشرط موضوعي لإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والاستقرار.
تاريخيًا، لم تكن الحدود قبل القرن السابع عشر خطوطًا ثابتة، بل كانت الهوية تُبنى عبر الحركة والانتماء. ومع معاهدة وستفاليا 1648 ظهر مفهوم السيادة الإقليمية، وأصبحت الحدود أداة لتنظيم السلطة. غير أن كثيرًا من هذه الحدود عكس موازين القوة، خاصة في مؤتمر برلين 1884–1885، حيث فُرضت تقسيمات استعمارية أدت إلى تفكيك مجتمعات وخلق بؤر صراع.
ومع تطور القانون الدولي في القرن العشرين، خاصة بعد تأسيس الأمم المتحدة 1945، برز مبدأ احترام الحدود الموروثة للحد من النزاعات، وطُبّق في إفريقيا منذ ستينيات القرن العشرين. وبعد الاستقلال بين 1956 و1975، تبنّت الدول الإفريقية هذه الحدود لتفادي الحروب، لكن دون معالجة داخلية عادلة لترسيم الحدود بين المجتمعات، مما أبقى النزاعات حول الأرض والموارد قائمة حتى اليوم.
في السياق السوداني، منذ الاستقلال في 1956، لم يكن غياب ترسيم الحدود الداخلية مجرد قصور إداري، بل اتخذ في مراحل عديدة طابعًا سياسيًا مقصودًا. فقد جرى الإبقاء على حالة “السيولة المكانية” بين المجتمعات الأصيلة كآلية لإدارة السيطرة، تسمح للدولة المركزية—وخاصة خلال فترات الحكم العسكري الممتدة من 1958 إلى 1964، ثم 1969 إلى 1985، وصولًا إلى نظام الإنقاذ بين 1989 و2019—بإعادة إنتاج سياسات “فرّق تسد”، وتسهيل إعادة تخصيص الأراضي ومواردها لصالح النخب المرتبطة بالسلطة. وهكذا تحوّل غياب الحدود من خلل تقني إلى أداة بنيوية للهيمنة، تُبقي المجتمعات في حالة تنازع دائم وتُضعف قدرتها على تثبيت حقوقها التاريخية.
ضمن هذا الإطار، يغدو ترسيم الحدود داخل السودان—على مستوى المجتمعات والقبائل—ضرورة تاريخية وسياسية ملحّة، لا بوصفه مشروع تقسيم، بل باعتباره مدخلًا لإعادة تأسيس العدالة المكانية، وإنهاء حالة الغموض والصراع المزمن، وإعادة تعريف العلاقة بين الأرض والسلطة والهوية، خاصة في ظل الانهيار الراهن الذي تفاقم منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. إن هذا الترسيم يشكّل خطوة أساسية نحو بناء دولة جديدة تقوم على الاعتراف بالتعدد وحمايته، بدل توظيفه كأداة لإنتاج النزاع والاستغلال والتهميش.
أولاً: ترسيم الحدود كأداة لضمان الحقوق التاريخية
عانت المجتمعات في السودان، خاصة في جنوب كردفان/ جبال النوبة ودارفور وشرق السودان، من نمط طويل من التهميش البنيوي، حيث تم نزع الاعتراف بملكياتها التقليدية للأرض، وتفكيك نظمها المحلية لإدارة الموارد، لصالح دولة مركزية احتكرت السلطة والثروة.
في هذا السياق، يصبح ترسيم الحدود ليس مجرد إجراء تقني، بل فعل اعتراف تاريخي. فهو يعيد تثبيت العلاقة بين الإنسان والأرض، ويمنح المجتمعات الأصيلة حقها في إدارة مواردها، ويضع حدًا لسياسات التوسع القسري التي مارستها الدولة المركزية عبر أدوات قانونية وأمنية.
إن الحدود هنا لا تُرسم للفصل، بل للحماية: حماية الأرض من النهب، وحماية الهوية من الذوبان، وحماية المجتمع من الإقصاء.
ثانياً: تنظيم العلاقة بين القبائل وتقليل النزاعات
تُظهر التجربة السودانية، خاصة في دارفور وكردفان، أن غياب الحدود الواضحة بين القبائل والمجتمعات أدى إلى نزاعات متكررة حول الأرض والمياه ومسارات الرعي. هذه النزاعات لم تكن دائمًا نتيجة عداء تاريخي، بل غالبًا نتيجة غياب إطار منظم يحدد الحقوق والواجبات.
إن ترسيم الحدود، حين يُبنى على أسس علمية ويُنجز عبر عملية تشاركية تُشرك المجتمعات المحلية وتستند إلى تاريخ استخدام الأرض ومعارفها العرفية، يتجاوز كونه إجراءً تقنيًا إلى كونه فعلًا تأسيسيًا لإعادة تنظيم المجال الاجتماعي والسياسي. فهو لا يحدد مجالات الزراعة والرعي والسكن فقط، بل يعيد صياغة العلاقات بين القبائل والمجتمعات على قاعدة واضحة من الحقوق المتبادلة، ويحدّ من مناطق التداخل غير المنظم التي كثيرًا ما تتحول إلى بؤر صراع. كما يوفّر إطارًا شرعيًا لبناء آليات محلية لإدارة النزاعات، قائمة على التوافق والاعتراف، بدل الاحتكام إلى القوة.
وتؤكد تجارب متعددة، خاصة في إفريقيا، أن ترسيم الحدود بين المجتمعات والقبائل يمكن أن يسهم مباشرة في تحقيق الاستقرار. ففي شمال كينيا وجنوب إثيوبيا، تم العمل على تحديد مسارات الرعي الموسمية بين قبائل البورانا والسامبورو عبر اتفاقيات محلية مدعومة بخرائط تشاركية، مما قلّص النزاعات على المياه والمراعي. وفي تنزانيا، أُقرت مناطق استخدام مجتمعي للأرض تحدد بوضوح مناطق الرعي والزراعة، واسهمت في تقليل الاحتكاكات بين المجتمعات الرعوية والزراعية.
Transhumance Corridorsأما في غرب إفريقيا، شهدت مناطق بين مالي والنيجر مبادرات لترسيم ممرات الرعاة
التي تضمن حركة القطعان دون التعدي على أراضي الزراعة، وهو ما خفّف من النزاعات الموسمية. وفي السودان نفسه، تُظهر التجارب التاريخية لنظام “الحواكير” في دارفور—رغم ما تعرض له من تفكيك—كيف يمكن لتحديد الملكيات التقليدية للأرض بين القبائل أن ينظم العلاقة بينها ويمنع النزاعات، عندما يكون معترفًا به ومصانًا.
هذه الأمثلة تُبرز أن الحدود، عندما تُفهم كأدوات تنظيم لا كآليات فصل، يمكن أن تتحول إلى بنية داعمة للتعايش. فهي تنقل العلاقة بين المجتمعات من حالة السيولة والصراع إلى حالة من الوضوح والتنسيق، حيث تُدار الموارد بشكل مشترك ضمن قواعد متفق عليها. وفي هذا المعنى، يصبح ترسيم الحدود داخل السودان—على مستوى القبائل والمجتمعات—خطوة ضرورية، علمية وموضوعية لإعادة بناء السلم الاجتماعي، وتأسيس عدالة مكانية تُنهي النزاعات المتكررة، وتفتح أفقًا لتعايش مستدام قائم على الاعتراف والاحترام والحقوق.
ثالثاً: إعادة التوازن بين المجتمعات والدولة المركزية
واحدة من أخطر سمات الدولة السودانية الحديثة هي تغول المركز على الأطراف، ليس فقط سياسيًا، بل مكانيًا أيضًا. فقد تم فرض حدود إدارية لا تعكس الواقع الاجتماعي، واستخدامها كأداة للسيطرة، وليس للتنظيم.
في جبال النوبة، على سبيل المثال، تم تجاهل البنية التاريخية للأرض، وفرض تقسيمات إدارية خدمت مصالح السلطة المركزية. وفي دارفور، تم العبث بالحدود التقليدية للحواكير، مما أدى إلى تفكيك نظم الملكية المحلية وإشعال النزاعات. أما في شرق السودان، فقد تم تهميش المجتمعات المحلية عبر سياسات مركزية تجاهلت خصوصيتها الثقافية والاقتصادية.
إعادة ترسيم الحدود في هذه المناطق تمثل خطوة نحو إعادة التوازن، حيث:
تُعاد السلطة إلى المستوى المحلي.
يتم تقويض احتكار المركز للقرار.
يُفتح المجال لبناء نماذج حكم لا مركزي حقيقي.
رابعاً: الحدود بوصفها إطارًا للهوية القبلية في سياق الوحدة والتعدد
لا يمكن تناول مسألة الحدود بمعزل عن إشكالية الهوية في السودان، حيث ارتبطت الأرض تاريخيًا بالانتماء القبلي واللغوي والثقافي. وقد أدّت سياسات التهميش، خاصة في ظل الدولة المركزية، إلى محاولات ممنهجة لطمس هذا التنوع عبر إضعاف اللغات المحلية وتذويب الهويات القبلية في نموذج أحادي مهيمن، مما أحدث قطيعة بين المجتمعات وأرضها، وأنتج توترات بنيوية مستمرة.
في هذا السياق، يصبح ترسيم الحدود بين القبائل والمجتمعات فعلًا علميًا وسياسيًا يعيد الاعتبار للتعدد بوصفه أساسًا للوحدة، لا نقيضًا لها. فالحدود هنا لا تُفهم كآلية للتقسيم، بل كإطار تنظيمي يعترف بالخصوصيات الثقافية واللغوية، ويمنح كل مجتمع فضاءً جغرافيًا يعكس امتداده التاريخي ويصون هويته. ومن خلال هذا الاعتراف المكاني، تُستعاد العلاقة بين الأرض واللغة والثقافة، بوصفها عناصر مترابطة في تشكيل الهوية الجماعية.
كما أن ترسيم الحدود يسهم في معالجة آثار التهميش عبر تثبيت الحقوق التاريخية، وتقليل الإحساس بالاقتلاع أو الإنكار، وهو ما يُعد شرطًا نفسيًا واجتماعيًا لبناء الثقة بين المكونات المختلفة. فالوحدة المستدامة لا تقوم على محو الفوارق، بل على إدارتها ضمن إطار عادل يضمن الاعتراف المتبادل.
وعليه، فإن الاعتراف بحدود المجتمعات القبلية، في سياق مشروع وطني ثوري جامع، يشكّل خطوة أساسية نحو بناء دولة حديثة متعددة تحترم تنوعها، وتؤسس لوحدة قائمة على العدالة والاعتراف، بدل الإقصاء والهيمنة.
خامساً: من الحدود كأداة استعمارية إلى الحدود كأداة تحرر
من الضروري التمييز بين نوعين من الحدود: حدود فُرضت من الخارج—سواء عبر الاستعمار الكلاسيكي أو عبر أشكال “الاستعمار الداخلي” الذي مارسته دول النخب بعد الاستقلال—بهدف السيطرة وإعادة توزيع الموارد لصالح مراكز القوة، وحدود تُرسم من الداخل بوصفها أداة للعدالة والاعتراف. ففي الحالة الأولى، كانت الحدود تُستخدم لتفكيك المجتمعات، وإعادة ترتيبها وفق مصالح السلطة، عبر إنتاج التنازع بينها وقطع صلاتها التاريخية بالأرض. أما في الحالة الثانية، فإن الحدود تُعاد صياغتها كآلية تنظيم عادلة تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي، وتُعيد تثبيت الحقوق التاريخية للمجتمعات.
في السياق السوداني، تكمن الإشكالية في أن المجتمعات القبلية المتجاورة—التي تعايشت عبر قرون طويلة، وتقاسمت الموارد ومسارات الحياة، وتعرضت معًا لسياسات التهميش وسرقة الأرض وطمس الثقافة وقمع اللغات—ليست هي مصدر الصراع الحقيقي. بل إن العدو البنيوي يكمن في تلك القوى التي سعت، ولا تزال، إلى تفكيك هذا التعايش التاريخي، عبر إنتاج العداء بين هذه المجتمعات، وإبقائها في حالة نزاع دائم يسهل من خلالها التحكم في الأرض والموارد.
ويتجلى ذلك بوضوح في نماذج “التنمية” التي تفرضها الدولة أو النخب المتحالفة معها، حيث تُقام مشاريع زراعية أو استثمارية كبرى على أراضي هذه المجتمعات دون اعتراف بملكيتها التاريخية، ويُعاد تعريف أصحاب الأرض الأصليين كقوة عمل هامشية داخل مشاريع لا يملكونها، بل تُدار لصالح فاعلين لا صلة لهم بالأرض ولا بتاريخها. وهكذا تتحول الأرض من فضاء للهوية والمعنى إلى سلعة تُدار من الخارج، وتتحول المجتمعات من أصحاب حق إلى عمّال مأجورين في أرضهم.
من هنا، يصبح التحدي المركزي هو تحويل الحدود من أداة للهيمنة إلى أداة للتحرر. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا عبر عملية ترسيم تنطلق من الداخل، وتقوم على إشراك المجتمعات المحلية بوصفها الفاعل الأساسي، والاعتماد على المعرفة التاريخية والأنثروبولوجية التي تحفظ ذاكرة الأرض، إلى جانب استخدام أدوات علمية حديثة—كالخرائط والعلامات، ونظم المعلومات الجغرافية—لضمان الدقة والشفافية.
بهذا المعنى، لا تعود الحدود وسيلة للفصل، بل أداة لإعادة بناء التعايش التاريخي على أسس عادلة، تُنهي سياسات التفكيك، وتُعيد للمجتمعات سيادتها على أرضها، ضمن مشروع وطني يعترف بالتعدد ويؤسّس لوحدة قائمة على العدالة لا الهيمنة.
سادساً: ترسيم الحدود كشرط للسلام المستدام
السلام لا يتحقق فقط بوقف إطلاق النار، بل بإزالة الأسباب البنيوية للصراع. ومن أهم هذه الأسباب في السودان هو النزاع على الأرض والموارد.
ترسيم الحدود يساهم في:
تقليل دوافع الصراع.
بناء الثقة بين المجتمعات.
خلق بيئة مستقرة للاستثمار والتنمية.
دعم أي عملية سياسية أو دستورية مستقبلية.
وبدون هذا الترسيم، ستظل النزاعات قابلة للاشتعال في أي لحظة، حتى لو تم توقيع اتفاقيات سلام.
خاتمة: نحو جغرافيا جديدة للعدالة
إن الدعوة إلى ترسيم الحدود في السودان الجديد ليست دعوة إلى التقسيم، بل إلى التنظيم العادل للمجال السياسي والاجتماعي. إنها دعوة لإعادة كتابة الجغرافيا بما يعكس الواقع، لا بما يخدم السلطة.
في لحظة التأسيس التي يمر بها السودان، يصبح ترسيم الحدود بين المجتمعات والقبائل شرطًا لا غنى عنه لبناء دولة حديثة، دولة تعترف بتعددها، وتحمي حقوق مكوناتها، وتعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش وبين الهامش ونفسه.
فالحدود، عندما تُبنى على العدالة، لا تفصل بين الناس، بل تمنحهم إطارًا للتعايش الكريم والتعاون وتبادل المصالح.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)



