تقارير

التغييرات في قيادة القوات المسلحة بين طموحات البرهان السلطوية ونوايا العطا الإنقلابية

تحليل سياسي
أعلن البرهان بالأمس عن سلسلة من القرارات التي أعاد بها ترتيب سدة القيادة السياسية والعسكرية داخل هيكل سلطته، وبموجب ذلك فقد أعفى الفريق محمد عثمان الحسين من موقعه كرئيس لهيئة الأركان واستبدله بالفريق أول ياسر العطا، إضافة لإعادة تشكيل هيئة الأركان بصورة جديدة.
هذه القرارات لم تكن سراً، إذ سبقتها تسريبات عديدة داخل معسكر سلطة البرهان، مثل المكالمة المسربة في يناير الماضي بين الجاكومي ونور الدائم طه، إضافة لأحاديث عدد من الإعلاميين والإعلاميات المرتبطين بالقوات المسلحة والحركة الإسلامية.
يواصل البرهان عملياً عقب خطوة الأمس في تنفيذ مشروعه القائم على الإنفراد بالسلطة، وتصميم نظام رئاسي يكون فيه هو رئيس الجمهورية عقب التخلص من صيغة مجلس السيادة التي أتت بها الوثيقة الدستورية، وابعاد منافسيه المحتملين تدريجياً، حيث أنه من المتوقع أن يطيح قريباً بكباشي وابراهيم جابر عبر ايجاد بدائل لهم تبعدهم عن مركز القرار السياسي، وتكوين مجلس تشريعي متحكم فيه، يشكل مكاناً للمحاصصة بين أطراف تحالفه، ويعطيه غطاءً شكلياً ليكمل به هندسة التصميم الجديد للسلطة وفق مخططه.
قرار تعيين العطا حمل تجاوزاً صريحاً لنظم وقواعد المؤسسة العسكرية بتعيين شخص كان يشغل منصباً سياسياً في موقع رئيس الأركان المهني العسكري، ولكن البرهان في سبيل مشروعه لا يبالي كثيراً بمثل هذه القواعد، حيث أن تاريخه قد حفل بقرارات كثيرة من قبل أضرت بمهنية المؤسسة العسكرية وأضعفتها.
ولكن على عكس ما يظن البرهان فإن تسليم العطا قيادة الجيش لن يجعله يهنأ بالانفراد بالسلطة، بل على العكس فإنه سيشكل مهدداً أكبر إذ يمنح العطا اشرافاً مباشراً وسيطرة على مفاصل القوات المسلحة، ويجعله في موقع أقوى يهدد مقعد البرهان، لا سيما وأن العطا قد وثق خلال هذه الحرب من علاقته بالتيارات الأكثر تشدداً في الحركة الإسلامية التي صنّفتها الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً كجماعة إرهابية، والتي تشعر بالخطر من التطورات السياسية الأخيرة، واحتمالية أن يضحي البرهان بعلاقته بها في سبيل تحقيق طموحاته الشخصية.
يشترك العطا وحلفاؤه في الحركة الإسلامية في موقفهم الرافض للسلام، ولهم مصلحة مشتركة قد تلتقي في الإطاحة بالبرهان الذي يلعب على كل الحبال، ويرسل رسائل متناقضة للداخل والخارج، وقد شبه عدد من المراقبين والمحللين خطوة البرهان بتعيين العطا، بخطوات البشير في آخر سنواته حين ظل يقوم بتغييرات سياسية وعسكرية يستهدف منها إحكام قبضته الشخصية على السلطة، ولكنها قادت للعكس تماماً حين التقت مصالح القيادة العسكرية والأمنية التي أتى بها في الإطاحة به، والسيطرة على السلطة بديلاً عنه، وهو ما أحبطته ثورة ديسمبر المجيدة التي أثبتت أن الشعب السوداني لا يقبل تغيير شكلي يستبدل الوجوه، بل يرغب في بناء وطني جديد على أسس مدنية وديمقراطية.
خطوة الأمس ليست خاتمة المطاف، بل هي تمهيد لخطوات قادمة مزلزلة داخل معسكر سلطة البرهان، الذي تتجاذبه تيارات سلطوية ذات أجندة متضاربة. فهل اقتربت ليلة السكاكين الطويلة داخل معسكر القوات المسلحة وحلفائها؟

زر الذهاب إلى الأعلى