عندما تُصبح العدالة رهينة النفوذ: الكاف في قفص الاتهام” قضية الموساوي.. حين يُكال بمكيالين في أعلى محفل كروي قاري

“

كتب: معاوية أبوالريش
في عالم الرياضة، ثمة قيم لا تقبل المساومة: النزاهة، والمساواة، وسيادة القانون على الجميع بلا استثناء. غير أن ما جرى في أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “الكاف” على هامش منافسات دوري أبطال إفريقيا 2026، يطرح تساؤلات جوهرية مقلقة حول ما إذا كانت هذه القيم ترفاً لا يتمتع به إلا من يملك النفوذ.
“الجريمة موثقة.. والإيقاف رُفع في غمضة عين”
أقرّت لجنة المسابقات التابعة للاتحاد الإفريقي بإيقاف لاعب نهضة بركان المغربي حمزة الموساوي مؤقتاً لمدة ثلاثين يوماً، وذلك بتاريخ الحادي عشر من مارس 2026، إثر ثبوت وجود مادة منشطة محظورة في عينته.
ولم تكن القضية هذه المرة من قبيل الشبهات أو الظنون، بل هي وقائع موثقة لا تقبل الجدل. فقد خضع الموساوي لاختبار مكافحة المنشطات، وجاءت النتيجة صريحة بتناوله مادة منشطة مدرجة في قائمة المحظورات لدى الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات “وادا”، ثم تنازل اللاعب عن حقه في تحليل العينة “B”، وهو ما يُعدّ وفق لوائح فيفا لمكافحة المنشطات اعترافاً صريحاً بصحة نتيجة العينة الأولى، ولم يُقدَّم أي استثناء طبي أو مبرر قانوني لاستخدام العقار المحظور.
بيد أن ما صدم المتابعين هو ما جاء في الأيام التالية: رُفع الإيقاف قبل يوم مباراة الذهاب بين نهضة بركان والهلال السوداني التي أُقيمت في الرابع عشر من مارس، أي أن القرار المعجل بإطلاق سراح اللاعب قانونياً استغرق ثلاثة أيام لا أكثر، في مفارقة تستوقف كل عاقل.
“لاعب موقوف يصنع النتائج”
لم تكن مشاركة الموساوي رمزيةً أو هامشية، بل كانت محورية في مجريات المباراتين. فقد شارك اللاعب في مباراة الذهاب، وكان له تأثير مباشر على مجريات اللقاء، إذ تعرّض لخطأ في الوقت بدل الضائع ومُنح فريقه ركلة جزاء سجّل منها هدف التعادل 1-1، ثم عاد للمشاركة في مباراة الإياب بتاريخ الثاني والعشرين من مارس. وانتهت المواجهة بمجموع 2-1 لصالح نهضة بركان الذي تأهل إلى نصف النهائي ليواجه مواطنه الجيش الملكي.
“الهلال يصرخ.. والكاف يصمت”
لم يقبل نادي الهلال السوداني هذا الواقع المجحف مكتوف الأيدي، فتقدّم بشكوى رسمية في الثالث والعشرين من مارس 2026 يؤكد فيها عدم قانونية مشاركة الموساوي في دور الثمانية. وبعد أن مضى الكاف صامتاً أحد عشر يوماً في مواجهة أربع مخاطبات رسمية متتالية، حدد محامي الهلال مهلة نهائية للاتحاد الإفريقي للرد، مهدداً بالتصعيد إلى محكمة التحكيم الرياضية مدعوماً بأكثر من ثلاثة عشر مستنداً، مطالباً باتخاذ إجراءات عاجلة تمنع مشاركة نهضة بركان في أي نشاط تابع للكاف أو الفيفا حتى يُفصل في القضية.
“سؤال واحد يكشف كل شيء”
إن المقارنة بين سرعة البت في طلب نهضة بركان برفع الإيقاف، والتجاهل المطوّل لشكاوى الهلال السوداني الرسمية، تفتح الباب واسعاً أمام سؤال مشروع يطرحه الجميع: لماذا حين يكون أصحاب النفوذ هم من يطلبون تُصدر القرارات على جناح السرعة، وحين يكون صاحب الحق هو من يطالب بحقه تتحول آلة القرار إلى رحى تطحن ببطء لا يُحتمل؟
إن الكرة الإفريقية تعيش اليوم في مفترق طرق خطير، إما أن تُصان نزاهتها وتُعلى مبادئها فوق كل اعتبار، وإما أن تغدو مسرحاً للمحاباة وتوظيف المناصب لخدمة الأندية والمنتخبات التي ينتمي إليها أصحاب القرار. وإن كان الكاف يُريد أن يحتفظ بمصداقيته، فعليه أن يُثبت أن قراراته تنبع من سيادة القانون لا من ثقل النفوذ، وأن مكيالاً واحداً هو الذي يكيل للجميع، صغيراً كان أم كبيراً، قوياً أم ضعيفاً.
إن العدالة المتأخرة عدالة منقوصة، والعدالة المنتقاة ظلم يرتدي رداء القانون.



