الأعمدة

أهلُ غزّةَ كانوا يبحثون عن الشهادةِ في سبيلِ الله، أما أطرافُ حربِ السودان فكانوا ولا يزالون يركضون خلفَ السلطةِ والثروةِ وسبيِ النساءِ ونهبِ السياراتِ وشاشاتِ التلفزيون

بقلم : محمدُ الفاتحِ حضرةٌ

﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
— سورةُ البقرةِ: 190.
تنهى الشريعةُ الإسلاميةُ عن الاعتداءِ على حقوقِ الناسِ وأموالِهم وأعراضِهم، حتى في ميادين الحرب.
الحربُ امتحانٌ للأخلاقِ قبل أن تكون معركةً سياسيةً أو عسكريةً.
في غزّةَ، عادَ مواطنٌ إلى بيتهِ فوجد رسالةً تركها مقاتلٌ فلسطينيٌّ داخلَ المنزلِ:
«استعرتُ شبشبًا لأنّ حذائي تمزّق في المعركة، وها أنا أضعُ خمسينَ شيكلًا بدلًا عنه.»
خمسونَ شيكلًا — وهي أعلىُ من قيمة الشبشب — كانت عنده ديّنًا وحقاً للغير يجبُ أن يُقضى.
هكذا يجب ان يكون مقياسُ الأخلاقِ في الحرب: من يتورّعُ عن أخذِ شبشبٍ بغيرِ إذنٍ لن يعتبرَ مالَ الناسِ غنيمةً، ولن يرى النساءِ سبايا ليغتصبهنّ.
أمّا في السودانَ، فقد كشفت الحربُ عن قعرٍ سحيق من الانحطاطِ الأخلاقي والسياسي:
نهبَ جنودُ الدعمِ السريع بيوتَ الناسِ وسياراتِهم في مختلفِ الولاياتِ، ولم نسمعْ حتي اليوم كلمةُ تعهّدٍ واحدة من قادة الدعم السريع بردِّ الحقوقِ أو تعويضِ المتضرّرين.
كذلك الجيشُ ..لم يجد حرجًا في قصفِ سياراتِ المدنيينِ التي نهبها الدعمُ السريعُ، ثم قامت الحكومةُ بجمعِ تلك السياراتِ المحترقةِ وبيعها لصالحِ وزارةِ الماليةِ دونَ إخطارِ ملاكها أو تعويضِهم.
في حرب السودان ، انتشرت علنًا أسواقٌ لبيعِ الأثاثاتِ والهواتفِ والأجهزةِ والأموالِ المنهوبةِ، في مناطقِ سيطرةِ الجيشِ ومناطقِ سيطرةِ الدعمِ السريعِ معًا، ولم تُصدر أيُّ قيادةٍ أمرًا بإغلاقِها أو بمحاسبةِ المتعاملين فيها.
النحاسُ المنهوبُ بواسطة عصابات الدعم السريع من كيبلاتِ ومحولاتِ الكهرباء — نحاسُ الخدمةِ العامةِ — هاهو يُهرَّبُ الآن علناً في شحناتٍ ضخمةٍ إلى دولِ الجوارِ، بينما تلتزمُ السلطاتُ الصمتَ أو التواطؤ.
الهروب والتولي يوم الكريهة
في اليومِ الأولِ للحربِ، هربَ بنفسه مديرُ عامِّ قواتِ الشرطةِ وآثر البقاء خارجِ السودانِ.
وفعلَ مثلَهُ كثيرونَ من ضباطِ الجيشِ والشرطةِ والأمنِ؛ وأرسلَ كثيرٌ من قادةِ الجيشِ وقادةِ جماعةِ الحركةِ الإسلاميةِ والمؤتمرِ الوطنيِّ عائلاتِهم إلى خارجِ البلادِ منذ الأيامِ الأولى.
أيُّ وطنيةٍ هذه؟
وأيُّ كرامة و مبادئٍ يتبجّحونَ بها وهم أولُ من فرّ وترَكَ المواطنينِ أعزلَين؟
في غزّةَ، رغمَ القصفِ والنزوحِ، لم نرَ نهبَ الجيرانِ لمنازلِ جيرانِهم كما هو حالُ بعضِ مناطقِ السودانِ؛ هناكَ كرامةٌ وحرمةٌ للمكانِ والمالِ حتى في أقسى الساعات.
أما هنا ..فقد صارت الحربُ غنيمةً يُتنافسُ عليها كلُّ من هبّ ودبّ من اللصوص والمجرمين ومغتصبي النساء.
السؤ.. لم يقتصرُ على القِوى العسكريةِ فقط؛ بل إنّ دناءةو ازدواجيةَ المواقفِ السياسيّة والدينيّةِ ظلت حاضرة دوما في المشهد السوداني :
هيئاتُ علماء السودانِ ومجمعَ الفقه الإسلاميِّ وشيوخَ الدعوةِ ظلّوا يدعونَ إلى استمرارِ الحربِ في السودانِ، ويرفضونَ أيَّ مبادرةٍ للتفاوضِ أو هدنةٍ إنسانيةٍ بين الفئتين المتقاتلتينِ.
وفي الوقتِ ذاتهِ، لا يتردّدونَ في الترحيبِ بوقفِ القتالِ في غزّةَ، ويباركونَ المفاوضاتِ التي تُنهي حربَ الفلسطينيينَ مع إسرائيلَ، بل يدعونَ الفلسطينيينَ إلى الجلوسِ للتفاوضِ!
هذا تناقضٌ أخلاقيٌّ وسياسيٌّ صارخٌ: قبولُ المصالحةِ والسلامِ خارجَ الحدودِ ورفضُها داخلَ الوطنِ، وكأنّ دمَ السودانيّ أرخصُ من دمِ الفلسطينيّ!
وليس الأمرُ محصورًا في هيئات العلماء وشيوخ الدين ؛ بل حتي مجلسُ السيادةِ وحكومةُ العسكرِ الانقلابيونَ تجدهم يتماهون و ينسجمونَ مع هذا الموقفِ المتناقضِ:
يرفضونَ التفاوضَ أو وقفَ القتالِ في السودانِ، ويرفضونَ المبادراتِ الدوليةَ والإقليميةَ، بينما يهلّلونَ لنجاحاتِ وقفِ النارِ في قطاع غزة وفلسطين!!
أيُّ ازدواجيةٍ سياسيةٍ بغيضة هذه؟
وأيُّ مصالحَ تتحكم فيها قيادات تافهة لا تبالي بدماءِ المواطنين؟
وفيما يتباهى البعضُ ببعضِ “انتصاراتٍ” وهميةٍ، يبتسمُ قائدُ الجيشِ ونائبهُ على الشاشاتِ قائلين:
“أنا مبسوط أوي!!”
يقولون ذلك ..بينما تُحترقُ بيوتُ الناسِ، وتُسرقُ سياراتُهم، وتُنهبُ محلاتُهم، ويُهملُ الجرحى والمشردونَ بلا إسعافٍ أو حمايةٍ.
تنادِّي حكومةُ الانقلابِ اليومَ على المدنيينَ بالعودةِ إلى بيوتهم الخربةِ المدمّرةِ المظلمةِ التي لا تصلُها الكهرباءُ ولا المياهُ، بينما ترفضُ هي نفسها العودةَ إلى الخرطومَ وتُفضّلُ البقاءَ في بورتسودانَ ونهرِ النيلِ. كانت الأولى بها إعادةُ الإعمارِ وإرجاعُ الخدماتِ قبلَ دعوةِ الناسِ للعودةِ إلى بيوتٍ لا تصلحُ للسكنِ.
في الحروبِ الحقيقيةِ، كما رأينا في غزّةَ وأوكرانيا وغيرها، الجُيوشُ الوطنيةُ والشرطةُ وفرقُ الإسعافِ وأطقم الدفاع المدني يهرعونَ لإنقاذِ المدنيينَ، ينقذونَ الجرحى، يُخرجونَ المحاصرينَ من تحتِ الركامِ، ويوفّرونَ الإغاثةَ والدواءَ والغذاءَ..
لكنَّا في السودانَ لم نشهدْ هذا السلوكَ الوطنيَّ ولو مرةً واحدةً أثناء الحرب
لا جيشٌ يحمى، ولا شرطةٌ تُسعف، ولا دفاعٌ مدنيٌّ يُنقذ، بل تركت السلطاتُ المواطنَ وحدهُ في وجهِ الملامِحِ القاتمةِ للدمار..
ومع ذلك ، ظلت المنصات الإعلامية والصفحات الداعمة للحرب تمجد وترفع من قدر ذلك الخائن للأمانة غير القائم بواجبه ؛ والي الخرطوم!!!
كل الذي كان يفعله ولازال يفعله والي الخرطوم: إرتداء الزي العسكري وإصدار التصريحات والتوجبهات وتكثيف الظهور الإعلامي!!!
كل يوم تزداد معاناة ومأساة حرب السودان!!!
كلُّ ذلكَ يأتي في ظلِّ شواهدِ علي إزديادِ غضبِ اللهِ على هذا البلدِ وأهله : فيضاناتٌ وسيولٌ، أوبئةٌ وأمراضٌ، ظلامٌ وعطشٌ، فقرٌ وانهيارٌ للمعايشِ وانتشارٌ للجريمةِ والخرابِ — وكلُّها دلائلٌ واضحةٌ لاستحقاقِ المراجعةِ والتوبةِ.
خاتمةٌ ندائيةٌ:
يا أهلَ السودانِ، راجعوا أنفسَكم، وتدبّروا ما حلَّ بكم، وتوبوا إلى اللهِ توبةً نصوحًا؛ عسى أن يتوبَ اللهُ علينا ويرفعَ البلاءَ عن أرضِنا وشعبِنا.
لا خلاصَ لوطنٍ إلا بعدَ عدلٍ حقيقيٍّ ومحاكمةِ المجرمينَ وردِّ الحقوقِ إلى أصحابها، ومعالجةِ النازحينَ والمشردينَ، وإعادةِ بناءِ دولةٍ تحمي الناسَ لا تُغتصبُ بيوتهم.
اللهمَّ ارحم وتب علي اهل السودانَ، واهدِ قادتهُ، وارفع عن أهلِه البلاءَ والغمَّ، إنكَ على كلِّ شيءٍ قدير.
#السودان_ينزف #غزة_تعلمنا_الإنسانية #لا_للغنيمة #العدالة_للمتضررين #تجديد_الخطاب_الديني

زر الذهاب إلى الأعلى