الأعمدة

حين تفشل السلطة… يُختلق العدو البعيد

✍️ مؤيد الأمين
عندما تعجز السلطة عن إدارة الدولة لا تبحث عن الحلول بل تبحث عن رواية بديلة تبرر العجز وتؤجل لحظة الحساب. هكذا يعمل الإعلام الكيزاني اليوم، لا بوصفه وسيلة إعلام بل كآلة لإعادة تشكيل وعي الناس وإقناعهم بأن الكارثة التي يعيشونها ليست نتيجة فشل داخلي بل مؤامرة خارجية كبرى. فجأة يصبح مضيق هرمز هو المتهم الأول، والأزمة العالمية هي التفسير الجاهز لكل شيء، بينما يُطلب من المواطن أن يصدق أن الجوع الذي يعيشه سببه العالم لا من يحكمه.
الرسالة واضحة وبسيطة في ظاهرها وخطيرة في مضمونها: المشكلة ليست في إدارة البلاد بل في الظروف الدولية، ليست في الفساد بل في الاقتصاد العالمي، ليست في سلطة عاجزة بل في أحداث خارج الحدود. بهذه الطريقة يُعاد توجيه الغضب الشعبي بعيداً عن مركز القرار، ويُصنع عدو جغرافي بعيد حتى لا يلتفت الناس إلى العدو الحقيقي القابع داخل مؤسسات الدولة.
هذا الأسلوب ليس جديداً على السودانيين، فقد اعتادوا كلما اشتدت الأزمات أن تظهر قصص غريبة تشغل الرأي العام وتخلق ضجيجاً بديلاً. بالأمس كانت حكايات الكلاب المسعورة والمكواة السحرية والقنافد التي تباع بالملايين، واليوم تحل محلها رواية المضائق البحرية والأزمات العالمية. يتغير العنوان لكن الهدف واحد، إلهاء الناس عن سؤال بسيط ومباشر: لماذا تعجز السلطة عن توفير الخبز والوقود بينما لا تعجز عن شراء السلاح؟
المفارقة التي يدركها المواطن قبل الخبراء أن الدولة التي تملك المال لعقد صفقات تسليح ضخمة تدّعي في الوقت نفسه أنها عاجزة عن استيراد الغذاء أو دعم السلع الأساسية. السودان الذي يوصف بأنه سلة غذاء العالم يُطلب من شعبه أن يصدق أن الجوع قدر عالمي لا نتيجة سياسات محلية فاسدة، وكأن الفساد اختفى فجأة وأصبحت الأسواق الدولية هي من تدير الخزينة السودانية.
الحقيقة التي يحاول الإعلام الكيزاني الهروب منها أن الأزمة ليست في مضيق هرمز بل في ضيق أفق الحكم، وليست في الاقتصاد العالمي بل في منظومة ظلت لخمسة وثلاثين عاماً تتعامل مع الدولة كغنيمة خاصة. إنها سلطة لا تعترف بالفشل لأنها تعلم أن الاعتراف بداية النهاية، لذلك تفضل صناعة روايات كبرى تبرر استمرارها حتى لو دفع الشعب الثمن من قوته وأمنه ومستقبله.
وحين يشتد الألم تبدأ عملية تجميل المشهد عبر الحديث عن الإحلال والإبدال في القيادات العسكرية وكأن تبديل الوجوه قادر على تغيير واقع صنعته منظومة كاملة من الفساد والتمكين. يتم تقديم التغييرات الشكلية كإنجازات مصيرية بينما يظل المواطن محاصراً بالغلاء وانعدام الخدمات وانسداد الأفق.
لكن التاريخ السوداني يقول إن الشعوب قد تصبر لكنها لا تنسى. الجوع لا يمكن تسويقه طويلاً بوصفه أزمة عالمية، والوعي الجمعي حين يستيقظ يعيد توجيه البوصلة نحو مصدر الأزمة الحقيقي. ما حدث سابقاً حين أسقط الشارع النظام لم يكن انفجاراً مفاجئاً بل نتيجة تراكم طويل من الخداع السياسي ومحاولات إبعاد الناس عن جوهر المشكلة.
اليوم تقف البلاد مرة أخرى أمام لحظة وعي مشابهة، لحظة تحتاج فيها القوى المدنية إلى قراءة المشهد بعين فاحصة لا تنخدع بالضجيج الإعلامي ولا تنشغل بالروايات المصنوعة. المطلوب هو العمل المنظم، كشف التضليل، توحيد الصف المدني، والاستمرار بلا توقف في معركة إزالة الفاسدين من جذورهم لأن الأوطان لا تُنقذ بالشعارات بل بالإصرار الطويل على اقتلاع منظومات الفساد مهما طال الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى