الأعمدة

من أين يأتي هؤلاء: كيف باع الخونة سيادة السودان لمشروع الاحتلال المصري الجديد؟

بقلم: غزالي_آدم_موسى
في خضم الحرب السودانية، وبين أنقاض الدمار والخراب، تتكشف حقيقة أعمق وأشد ألمًا من مجرد نزاع داخلي. فالحرب ليست مجرد صراع بين أطراف متنازعة، بل مسرحية محبوكة بدقة من قوى داخلية وخارجية تسعى لانتزاع سيادة السودان وموارده، وتحويله إلى ساحة تُدار فيها مصالح أجنبية على حساب شعبه.
تدخل الطيران المصري.. أسئلة ليست للإجابة
التدخل العسكري الذي جرى في الأجواء السودانية لم يكن حدثًا عابرًا أو محايدًا كما حاول بعض المصفقين أن يروّجوا له. فالغارات الجوية التي طالت مواقع حيوية أثارت الكثير من التساؤلات:
لماذا تم استُهداف مرافق إقتصادية وبنى تحتية أساسية كالمصانع والجسور والمستشفيات؟
ولمصلحة من يجري هذا التدمير؟
أكان الهدف دعم طرف بعينه في النزاع، أم أن خلف الكواليس ترسم أجندات أوسع تتعلق بإعادة رسم مستقبل الإقتصاد السوداني؟
بين التدمير والسكوت.. من يحصد؟
الصدمة لا تكتمل إلا عندما نرى صمت قيادات الجيش السوداني، الذي تحول من حامي الوطن إلى شريك في تسليم مفاتيح إقتصاد البلد لأطراف أجنبية.
هذا التحول لا يقل عن خيانة عظمى، يفتح الباب واسعًا أمام احتلال إقتصادي يهدد وجود السودان المستقل.
مسرحية إعادة الإعمار والتمكين المصري
تحت عباءة إعادة الإعمار، تحرك السيد/ كامل إدريس (ناقص الصلاحيات)، برفقة صديقه ووزير إعلامه (المواطن) خالد الأعيسر، في مشهد معدّ سلفًا.
لم تقتصر زيارتهم الأخيرة للقاهرة على توقيع إتفاقيات إستثمار، بل كانت تأكيدًا على تسليم مفاتيح الإقتصاد السوداني بكل إرادة واستعداد.
مشاريع على الورق.. تبعية على الأرض
من هذه المشروعات الاستثمارية المعلنة: مصنع السكر الذي سيُقام في الولاية الشمالية، بتكلفة 350 مليون دولار.
هذا المشروع لا يمثل إنجازًا سودانيًا حقيقيًا، بل هو قطعة في لعبة أكبر لإعادة تشكيل الإقتصاد السوداني وفق مصالح وحسابات النظام المصري.
وإلى جانب إعادة بناء الطرق والجسور التي تُسند للشركات المصرية، نجد آليات تعميق السيطرة المصرية على مفاصل الإقتصاد السوداني، وتحويل السودان إلى سوق إنتاج يخدم القاهرة أكثر مما يخدم الخرطوم.
الإقتصاد المصري المتهالك.. ينظر للسودان كرافعة إقتصادية
الأزمة الإقتصادية المصرية، المحكومة بعجز مالي ضخم وديون متزايدة، تجعل من السودان هدفًا للنهب المقنع.
الخراب الذي أصاب السودان لم يكن صدفة، بل نتيجة خطة محكمة لاستنزاف موارده وتحويلها إلى دعم إقتصادي مستمر للنظام المصري، الذي يعتمد على هذا المنهج للحفاظ على وجوده.
السودان بين التبعية والهيمنة
القيادات التي وُكل إليها حماية الوطن، تحولت إلى أدوات في يد مشروع استعماري جديد، ترهن مصير البلاد لسطوة أجنبية بلا هوادة.
أفعالها وتواطؤها ليست مجرد فشل إداري أو سياسي يمكن التسامح معه، بل خيانة ممنهجة تعمّق التبعية، وتُرسّخ الهيمنة التي تقيد حركة السودان وتكبل حريته.
التاريخ شاهد.. التحرر شرط النهضة
التاريخ القريب يفضح هذه المعادلة بوضوح مذهل:
لم يعرف السودان في تاريخه الحديث أي قفزة إقتصادية أو حضارية حقيقية إلا في الفترات التي ابتعد فيها عن الهيمنة المصرية.
حتى في عهد الإسلاميين، بكل ما فيه من فساد واستبداد، جاءت أفضل إنجازاتهم الإقتصادية والعمرانية في الفترة الوحيدة التي توترت فيها العلاقات مع القاهرة — تحديدًا بين 1995 و2005، عقب محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا.
في تلك السنوات، خرج السودان — ولو جزئيًا — من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، وشهد مشروعات كبرى في الزراعة والصناعة والبنية التحتية، هي نفسها التي يفاخر بها الإسلاميون اليوم.
فهل كان ذلك مجرد صدفة؟
أم أن التحرر من قبضة القاهرة كان الشرط الأول لأي نهضة سودانية ممكنة؟
السؤال المعلّق
السودان اليوم ليس فقط ساحة صراع عسكري، بل مسرح كبير يُدار فيه مستقبل البلاد بمقاييس تُفرض من الخارج، حيث تُسلب القرارات الوطنية وتُبدد الموارد، ويُفرض إقتصاد تابع لا يستطيع أن يخطو خطوة نحو الاستقلال الحقيقي.
وفي هذا الواقع المعقد، يبقى السؤال الأكبر معلّقًا في الهواء:
هل ستستمر قياداتنا في خدمة هذا المشروع الاستعماري، أم أن هناك من سيُدرك حجم الخطر الكامن في هذه التبعية المميتة، ليبدأ استعادة السيادة والحلم السوداني الحر؟
السودان أمام مفترق طرق لا يحتمل التردد، ومستقبل لن ينتظر أحدًا.

زر الذهاب إلى الأعلى