الأعمدة

قصة البنتين الصغيرتين”

بقلم: دكتور كمال محمد الأمين
في زحمة الحياة وصخبها، وبين أكوام الهموم التي تثقل كاهل كل منا، تأتي لحظات تكشف لنا الوجه الحقيقي للإنسان.. ذلك الوجه الذي يختبئ خلف أقنعة الحياة اليومية، وينتظر موقفاً واحداً ليظهر على حقيقته.
هكذا كان صباحي في وسط الخرطوم، كعادتي منذ سنوات.. القهوة عند الأخت أماني، تلك المرأة النوبية الطيبة التي تصنع القهوة كما تصنع الأمهات الحنان.. بلا مقابل وبكثير من الحب. وبعدها إلى الحلاق، ذلك الرجل العجيب الذي يجمع في شخصيته تناقضات السودان كله.. مرة أنصاري متدين، ومرة كوز سياسي كأنه علي كرتي ، وأحياناً مطرب بصوت عذب، وأحياناً أخرى قارئ للقرآن بخشوع.
في ذلك اليوم الذي كان البرد فيه قارساً، والجيوب خاوية كما تكون أحياناً جيوب الكرماء، ذهبت إليه معتذراً.. قلت له بصراحة: “اليوم مامعي فلوس”. ردّ كعادته بكرم أهل السودان: “عيب يا أستاذ، أنا حصل سألتك من قروش؟”
ثم بدأ يحكي.. وكلما تقدم في الحكاية، كلما اكتشفت أن أمامي ليس مجرد حلاق يقص الشعر، بل إنسان يحمل قلباً كبيراً كصحراء بلاده.
قال: “في الطريق إلى المدرسة مع ابنتي، رأيت بنتين صغيرتين.. البرد يكاد يقتلهما، وليس عليهما ما يقيهما من قسوة الطقس. سألتهما: ليش مالبستن تقيل؟ فأخبرتاني أن أمهما فقيرة، وأباهما غادر منذ شهور إلى مناطق الذهب ولم تعد تصل أخباره.”
القرار الذي لا يحتاج تفكير
يتابع الحلاق حديثه، وأنا أجد نفسي غارقاً في الدموع.. كأن هاتين البنتين ابنتاي.. كأن برد الصباح يخترق قلبي قبل أن يخترق أجسادهما الصغيرة.
فقال الحلاق : “على طول خلعت السويتر وألبسته لإحداهما، ثم ذهبت إلى البيت وأحضرت سويتر زوجتي وألبسته للأخرى.”
هكذا ببساطة.. بلا تردد ولا تفكير مطول.. بلا انتظار لشكر أو ثناء.. بلا تصوير للفيسبوك أو تسجيل للتاريخ.. فقط ضمير يقظ وقلب نابض بالحياة.
الإنسان الذي فينا جميعاً
لاحظ الحلاق دموعي، فسأل بقلق: “مالك يا أستاذ؟ هل عندك مشكلة مالية؟” وعرض أن يعطيني نقوداً. قلت له: “كتر خيرك، أنا بجيك الساعة واحدة، وديني بيت الجماعة ديل.”
خرجت من عنده وقد خرجت تماماً من عالمي.. لم يعد لي تفكير إلا في هاتين البنتين. ذهبت إلى صديقي “الزعيم”، نصير الغلابة كما نسميه، وطلبت منه مالاً بإلحاح غير مألوف. اندهش، لكنه لم يتردد حين سمع القصة. قال لي: “يعني انت أرجل مني”، وأعطاني مبلغاً كبيراً.
توجهت إلى السوق كمن يتوجه إلى معركة مصيرية.. اشتريت بطاطين وملابس وفنايل برد صغيرة وكبيرة، وشوال سكر وفول وعدس ودقيق وزيت وبلح.. كل ما يحتاجه بيت لمواجهة الشتاء والجوع.
عدت إلى الحلاق، قلت له: “نمشي”. ذهبنا معاً إلى المنزل المتواضع، وأنزلنا كل شيء. بعدما خرجنا من منزل الأسرة نظر ألي الحلاق وقال لي بدموع الامتنان: “يا دكتور، والله لوكنت عارف أنك مقرش للدرجة! كل يوم عندنا مشاكل كتيرة لازم تحلها لينا.”
السؤال الذي لا يفارقني:
واليوم، بعد كل هذه السنوات، وبعد أن اشتعلت الحرب وأكلت الأخضر واليابس، أجد نفسي أتساءل: ماذا حدث لهذه الأسرة؟ هل عاد الأب من مناطق الذهب؟ هل جمع الله شملهم؟ هل نجوا من جحيم الحرب؟ أم أن القدر كان لهم بالمرصاد؟
الدرس الذي لا ينسى :
إن أجمل ما في هذه القصة ليس العطاء نفسه، بل تلقائيته.. الحلاق لم يفكر، لم يتردد، لم يسأل عن الجنسية أو القبيلة أو الدين.. رأى إنسانين يحتاجان المساعدة، فساعد. هكذا ببساطة.
وأنا، حين سمعت القصة، لم أفكر في موازنتي أو ظروفي المالية.. شعرت بأن هناك واجباً إنسانياً يجب أن أؤديه، فأديته.
هذا هو الإنسان في أبهى صوره.. حين يتجرد من كل شيء إلا من إنسانيته.. حين يكون الضمير هو البوصلة، والقلب هو الدليل.
في زمن يشكو فيه الناس من قسوة القلوب وموت الضمائر، تأتي مثل هذه القصص لتذكرنا بأن الخير لا يزال موجوداً، وأن الإنسان لا يزال قادراً على أن يكون إنساناً.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: كم من البنات الصغيرات يحتجن إلى سويتر في هذا العالم؟ وكم منا مستعد أن يخلع سويتره ليدفئ طفلة لا يعرفها؟
الجواب موجود في قلب كل منا.. والاختيار متروك لضميرنا.
ختاما:
“الإنسان الحقيقي هو الذي يرى في معاناة الآخرين معاناته، وفي فرحهم فرحه.. هو الذي لا يحتاج إلى مبرر ليكون إنساناً.”
تحياتي

زر الذهاب إلى الأعلى