لستن وحدكن: العدالة النسوية في مواجهة بنية العنف والإفلات من العقاب
من الأبيض إلى نيالا… كيف تكشف الانتهاكات المتكررة أن العنف ليس حوادث معزولة بل جزء من منظومة يجب تفكيكها

:
في ظل تصاعد الانتهاكات الجسيمة بحق النساء والفتيات في السودان، تطرح حملة #عدالة_نسوية مقاربة مختلفة للعدالة، تتجاوز التعامل مع الجرائم كوقائع فردية، لتضعها في سياق بنية متكاملة تُنتج العنف وتحميه وتُعيد إنتاجه.
هذا المقال يسلّط الضوء على عدد من الوقائع التي شهدتها مدن سودانية مختلفة، ويعيد قراءتها ضمن إطار أوسع يربط بين العنف القائم على النوع الاجتماعي، وغياب المساءلة، واستمرار الإفلات من العقاب.
في وقتٍ ما، بدا أن العدالة فكرة بسيطة، جريمة تقع… ثم يُحاسَب الجاني. لكن هذا التصور لم يعد كافياً لفهم ما يحدث اليوم. مثلاً ما نشهده في الأبيض، وفي الترحيل القسري للأمهات، وفي سجون نيالا، لا يمكن قراءته كحوادث منفصلة. إنه نمط متكرر، يكشف عن واقع أصبحت فيه الجريمة جزءًا من النظام، لا استثناءً عليه. من هنا، تنطلق حملة #عدالة_نسوية، ليس فقط لتوثيق الانتهاكات، بل لطرح سؤال أعمق، كيف يمكن تفكيك البنية التي تجعل هذا العنف ممكناً… ومستمراً؟
كتب المهندس علي تونجا علي، المقال المهم التالي :
لستن وحدكن: العدالة النسوية كمسار لتفكيك بنية العنف
في وقتٍ ما، بدا أن العدالة فكرة بسيطة وواضحة جريمة تقع… ثم يُحاسَب الجاني.
لكن هذا التصور يتهاوى أمام ما نراه اليوم في السودان. في الأبيض، في الترحيل القسري للأمهات، وفي سجون نيالا، لا نواجه مجرد حوادث منفصلة، بل واقعًا أكثر قسوة وتعقيداً، واقع أصبحت فيه الجريمة جزءًا من النظام، لا خروجًا عليه.
طفلة يُنتهك جسدها داخل مدرسة، ثم تُساوِم الإدارة أسرتها على الصمت. نساء يُنتزعن من الشوارع، يُفصلن عن أطفالهن، ويُرحّلن قسراً، وكأن الأمومة نفسها يمكن إلغاؤها بقرار. ونساء في سجون نيالا، لا تُوجَّه لهن تهم واضحة، لكن المؤكد أن أجسادهن تقع داخل دائرة سلطة بلا رقابة، ولا مساءلة.
هذه ليست وقائع معزولة.. هذه خريطة عنف.
خريطة تُظهر بوضوح وجود بنية تُنتج العنف، وتحميه، وتُعيد إنتاجه باستمرار، بنية تسمح بتحول الفاعلين من أفراد إلى أدوات، ومن مؤسسات إلى أغطية، ومن دولة يُفترض أن تحمي، إلى طرف قد يشارك في الانتهاك أو يتغاضى عنه.في هذه البنية، يمكن أن يتحول المعلّم إلى مُعتدٍ بلا رادع، ويمكن أن تتحول المؤسسة إلى مظلة للإفلات من العقاب، ويمكن أن تصبح العدالة نفسها غائبة أو مؤجلة إلى أجل غير معلوم.
هنا، يتغير السؤال جذرياً، لا يعود كافياً أن نسأل: كيف نحمي الضحايا؟ بل يصبح السؤال الأهم كيف نُفكك هذا الواقع الذي يجعل الانتهاك ممكناً… ومتكرراً… ومقبولاً أحياناً بالصمت؟ من هذا المنطلق، تأتي حملة #عدالة_نسوية لا بوصفها رد فعل عاطفي أو تضامنًا مؤقتًا، بل كإطار نضالي يسعى إلى إعادة تعريف العدالة نفسها.
العدالة النسوية، كما تطرحها الحملة، ليست مجرد إنصاف فردي بعد وقوع الضرر، بل هي مسار سياسي واجتماعي وقانوني يهدف إلى تفكيك البُنى التي تُنتج العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومواجهة الإفلات المزمن من العقاب، وإعادة بناء منظومة العدالة على أسس المساواة والكرامة الإنسانية، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، لا مجرد التعامل مع نتائجها.
في هذا السياق، يصبح العمل المطلوب واضحاً، وإن كان صعباً
أولاً: تحويل كل واقعة عنف إلى قضية عامة، لا يمكن دفنها في الصمت أو احتواؤها بالتسويات.
ثانياً: ربط كل انتهاك بمساءلة مباشرة للجهات المسؤولة، سواء كانت أفراداً أو مؤسسات.
ثالثاً: كسر الصمت، ليس فقط المجتمعي، بل المؤسسي، الذي يوفّر الغطاء للعنف.
رابعاً: حماية الضحايا والناجيات من التهديد والوصم، وضمان حقهن في العدالة دون خوف.
خامساً: رفض أي حلول تقوم على التغطية أو “المعالجة الهادئة” التي تُبقي جذور المشكلة قائمة.
إن ما تطرحه حملة عدالة نسوية هو انتقال ضروري من التعامل مع العنف كحوادث فردية، إلى فهمه كنتاج لبنية تحتاج إلى تغيير جذري.
هذا التحول ليس سهلاً فهو يصطدم بثقافة راسخة، ومصالح قائمة، وبُنى سلطة لا ترى في المساءلة خياراً مريحاً. لكنه، رغم ذلك، المسار الوحيد الممكن إذا أردنا عدالة حقيقية، لا شكلية.
لستن وحدكن. هذه ليست عبارة تضامن فقط، بل إعلان موقف أن هناك من يرى، ومن يُسمّي الأشياء بأسمائها، ومن يرفض أن يستمر هذا الواقع بلا مساءلة.
ولمن يسلكون هذا الطريق، طريق العدالة النسوية ليس قصيراً ولا مستقيماً، هو مسار طويل، مليء بالمقاومة، والتعطيل، وربما التراجع أحياناً. لكن كل خطوة فيه تُضيّق مساحة الإفلات من العقاب، وتفتح أفقاً أوسع لعدالة تُنصف، وتمنع، وتُغيّر.
في النهاية، المعركة ليست فقط من أجل الضحايا، بل من أجل شكل المجتمع الذي نريد العيش فيه: مجتمع لا تُنتهك فيه الأجساد، ولا تُساوَم فيه الكرامة، ولا تكون فيه العدالة امتيازاً … بل حقاً.
#لستن_وحدكن
#عدالة_نسوية



