الأعمدة

خطاب البرهان استراتيجية سياسية تهدف إلى “تأميم” الذاكرة الوطنية وصهر ثلاث لحظات متناقضة (1985، 2019، 2023) في بوتقة واحدة يدعي فيها أن الجيش هو الملاذ والمنقذ.

في السادس من أبريل، التاريخ الذي يحفظه السودانيون كأيقونة للانعتاق والحرية، اختار قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن يقدم قراءة خاصة للتاريخ، محاولاً حشر المؤسسة العسكرية في قلب كل فعل ثوري وطني، لم يكن خطاباً عابراً، بل كان استراتيجية سياسية تهدف إلى “تأميم” الذاكرة الوطنية وصهر ثلاث لحظات متناقضة (1985، 2019، 2023) في بوتقة واحدة يدعي فيها أن الجيش هو الملاذ والمنقذ.
إلا أن هذا البناء الخطابي ينهار أمام أول اختبار للحقائق؛ فالمسافة بين “الجيش الملاذ” و”الجيش القاتل” هي المسافة ذاتها التي تفصل بين وعود البرهان في 2019 وواقع السودان الممزق في 2026.
يريد البرهان إقناعنا بأن وقفة الجيش في 6 أبريل 2019 كانت امتداداً طبيعياً لعام 1985، لكن شتان ما بين الثورتين في مآلاتهما العسكرية، فبينما استجابت قيادة 85 للشارع وسلمت السلطة، دخلت لجنة البشير الأمنية في 2019 في صراع وجودي مع قوى الثورة وسفكت دماء الشباب العزل.
لقد ذهب المعتصمون إلى القيادة العامة لأنهم آمنوا بقدسية “موضع الاحتماء”، وظنوا. ان جيش 1985 هو ذاته جيش 2019، لكن بينما ظل المكان ذاته إلا أن عسكره تحولوا لعصابة اجرامية قاتلة، اثبت ذلك الرد الذي جاء في 3 يونيو 2019.
تقارير هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية لم تترك مجالاً للشك؛ فقد كانت هجمات “مخططاً لها” وقد ترقى لجرائم ضد الإنسانية، حين يتحدث البرهان اليوم عن “الانحياز للشعب”، عليه أن يفسر أولاً كيف تم التخلص من جثامين الثوار في النيل، ولماذا لا يزال خبراء الأمم المتحدة حتى اليوم يطالبون بالعدالة لمجزرة وقعت تحت سمع وبصر قادة الجيش، إنها لم تكن لحظة انحياز، بل كانت لحظة “خيانة مكتملة” للثقة الشعبية.
الادعاء الثاني في الخطاب هو تصوير الجيش كحارس لثورة ديسمبر، وهنا نجد أنفسنا أمام مفارقة سياسية كبرى؛ فالرجل الذي يتحدث باسم الثورة اليوم هو نفسه الذي قاد انقلاب 25 أكتوبر 2021، هذا الانقلاب لم يكن مجرد “تصحيح مسار” كما زعم، بل كان “كسراً لظهر” الانتقال الديمقراطي.
لقد وثقت وكالات الأنباء العالمية مثل رويترز وأسوشيتد برس كيف واجهت القوات الأمنية المتظاهرين الرافضين للانقلاب بالرصاص الحي، وفي نوفمبر 2021 وحده، سقط أكثر من 40 قتيلاً من الشباب واليافعين، من يقف مع الثورة لا يعتقل حكومتها المدنية، ولا يحول شوارع الخرطوم إلى ساحات لاصطياد المتظاهرين السلميين، إن حديث البرهان عن الثورة اليوم هو محاولة لسرقة “الشرعية الثورية” وتوظيفها لتبرير استمراره في السلطة.
ادعى البرهان في خطابه أن القوات المسلحة تدعم “مسيرة التحول الديمقراطي”. لكن الواقع يقول إن المؤسسة العسكرية لم تكتفِ بعرقلة السياسة، بل عرقلت القانون أيضاً، حتى عام 2022، كانت التقارير الدولية تؤكد أن السلطات العسكرية استولت على مقر لجنة التحقيق الوطنية في مجزرة فض الاعتصام لمنع الوصول إلى الحقيقة.
عندما يتم إجهاض العدالة في أهم جريمة سياسية في العصر الحديث، يصبح الحديث عن الديمقراطية مجرد “ديكور لغوي”، لا يمكن بناء ديمقراطية على أنقاض لجان تحقيق معطلة، ولا يمكن الوثوق بوعود تحول يقوده من وضع قادة التحول أنفسهم خلف القضبان.
يحاول البرهان تصوير الجيش كحائط صد ضد عودة النظام البائد، لكن الحقائق الميدانية والسياسية تكشف عن “ردة” كاملة الأركان. منذ انقلاب 2021، بدأت المؤسسة العسكرية في استعادة كواد نظام البشير وإعادتهم إلى مفاصل الخدمة المدنية والأجهزة الأمنية.
وفي يونيو 2023، كشفت تحقيقات استقصائية عن تغلغل الإسلاميين داخل غرف صناعة القرار العسكري، وبحلول يوليو 2025، وصفت التقارير الدولية كيف بات “الإسلاميون” يرون في دعم الجيش بوابتهم الوحيدة للعودة السياسية، إذن، البرهان ليس جداراً مانعاً، بل كان الانقلاب الذي قاده هو “الجسر” الذي عبرت عليه عناصر النظام القديم للعودة إلى المشهد تحت غطاء “معركة الكرامة”.
الركيزة الخامسة في خطاب البرهان هي محاولة إعفاء نفسه من مسؤولية الحرب، وتصويرها كـ “اصطفاف شعبي”، الحقيقة المرة هي أن هذه الحرب لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت نتيجة حتمية لصراع “أجنحة السلطة المسلحة” التي انقلبت على المدنيين في 2021 ثم اختلفت على تقسيم الغنيمة في 2023.
أي كرامة يتحدث عنها الخطاب والسودان يواجه في عام 2026 أكبر أزمة نزوح في العالم؟ بحسب أرقام منظمة الهجرة الدولية، هناك أكثر من 12 مليون نازح، و33.7 مليون شخص يحتاجون لمساعدات عاجلة. الكرامة هي السكن، والأمن، والتعليم، والصحة؛ وكل هذه المقومات دُمّرت في صراع عبثي على الكرسي، إن محاولة تحويل 15 أبريل من “كارثة وطنية” إلى “ملحمة بطولية” هي قمة الاستخفاف بمعاناة الملايين الذين فقدوا بيوتهم وحياتهم.
إن لجوء البرهان لرموز مثل 1985 و2019 ليس دليل قوة، بل هو “هروب إلى الأمام”، عندما يعجز الواقع عن منحك التبرير، تضطر للاقتراض من ذاكرة الضحايا. لقد أراد البرهان في خطابه أن يسحب “الوكالة” من الشعب السوداني، ليقول إن الشعب لا قيمة له ولا فعل إلا إذا احتمى بظلال البنادق.
لكن الحقيقة التاريخية تظل ثابتة: الشارع هو من أسقط الديكتاتورية، والعسكر هم من حاولوا وراثة الثورة واغتيال أحلامها.
الخلاصة أن البرهان لم يخاطب وجدان السودانيين، بل اعتدى على ذاكرتهم؛ محاولاً إقناع الضحية بأن الجلاد كان يوماً ما هو المنقذ، والسؤال الذي سيبقى يطارد هذا الخطاب: كيف يمكن لمن أجهض الانتقال، وعرقل العدالة، وأشعل شرارة الحرب، أن يدعي اليوم أنه حارس الكرامة؟
كيف؟؟؟
#الحركة_الإسلامية_تنظيم_إرهابي #لاللحرب
#لم_يعد_هنالك_مكانا_للإختباء #جرائم_الكيزان

زر الذهاب إلى الأعلى