
في 15 أبريل، تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الألمانية برلين، حيث ينعقد مؤتمر دولي يُنظر إليه كواحد من أبرز الفرص لإيقاف الحرب في السودان. في المقابل، تتصاعد حملة منظمة لعرقلة المؤتمر، تقودها قوى مرتبطة بالحركة الإسلامية ومعسكر السلطة في بورتسودان، في مشهد يكشف بوضوح أن المعركة لم تعد فقط بين أطراف السلاح، بل بين مشروعين متناقضين: السلام واستمرار الحرب.
تقارير إعلامية تشير بوضوح إلى أن مؤتمر برلين الثالث لا يمثل اجتماعاً عادياً، بل تحالفاً دولياً واسعاً تقوده ألمانيا، بمشاركة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب الاتحاد الإفريقي ومنظمات أممية، وبحضور أكثر من 25 وزير خارجية. ويركز المؤتمر على محورين رئيسيين: وقف الحرب عبر تنسيق دولي وإقليمي، وتوسيع الاستجابة الإنسانية في ظل ما تصفه المنظمات الدولية بأكبر أزمة إنسانية في العالم.
هذا الحشد الدولي يأتي استجابة لوضع إنساني غير مسبوق في السودان، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 30 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات، وأكثر من 13 مليون نازح داخلياً، إلى جانب ملايين اللاجئين، وانهيار واسع في الخدمات الأساسية. هذه الأرقام لا تترك مجالاً للشك في أن أي جهد دولي لوقف الحرب أصبح ضرورة عاجلة، وليس خياراً سياسياً.
رغم ذلك، تتصاعد حملة رفض منظمة ضد المؤتمر، تقودها قوى سياسية موالية لحكومة بورتسودان، عبر خطاب يركز على اتهام المؤتمر بـ“الوصاية الخارجية” و”اختلال التمثيل”. ويبرز في هذا السياق تصريح مالك عقار الذي وصف المؤتمر بأنه “ضد رغبة السودانيين”، معتبراً أن الحلول يجب أن تكون “سودانية خالصة”.
لكن هذا الخطاب يواجه تناقضاً واضحاً مع الوقائع. فالقوى ذاتها التي ترفض اليوم مؤتمر برلين، بنت مسارها السياسي عبر وساطات خارجية. اتفاق اتفاقية نيفاشا، الذي شكّل محطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، تم برعاية دولية كاملة. كما شهدت البلاد مفاوضات في أبوجا وأديس أبابا ونواكشوط، وجميعها تمت تحت مظلات إقليمية ودولية.
وخلال هذه الحرب نفسها، شاركت السلطة في مسارات جدة 1 و2، ومحادثات المنامة، وتعاملت مع مبادرات دولية مثل الرباعية ومؤتمر جنيف. هذا السجل يجعل من الصعب التعامل مع خطاب “رفض التدخل الخارجي” كطرح مبدئي، إذ يتضح أنه يُستخدم انتقائياً، ويرتبط فقط بالمواقف التي تدفع نحو إنهاء الحرب.
في مواجهة هذا الخطاب، جاء رد القيادي بتحالف “صمود” عمر الدقير أكثر تماسكاً، حيث اعتبر أن تصوير المؤتمر كمساس بالسيادة يمثل توظيفاً سياسياً، مؤكداً أن المؤتمر ليس منصة لفرض حلول، بل منبر إنساني لحشد الدعم للسودانيين، ومساحة لدفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار. كما شدد على أن الحديث عن “حل سوداني” يفقد معناه إذا لم يبدأ بوقف الحرب وتهيئة المناخ السياسي.
في السياق نفسه، تشير تقارير إعلامية إلى أن دعوات المقاطعة التي أطلقتها بعض القوى، بذريعة “اختلال التمثيل”، تتقاطع مع خطاب أوسع تقوده الحركة الإسلامية، التي ترفض أي مسار سياسي يمكن أن يحد من نفوذها. هذه القوى، التي تقوم بنيتها الفكرية على تنظيم عابر للحدود، تعود لتطرح خطاب السيادة في مواجهة مؤتمر يسعى لوقف الحرب، في تناقض يعكس طبيعة الصراع الحقيقي.
المعطيات المتاحة تشير إلى أن الجيش لا يصرح بالرفض بشكل مباشر، لكنه يتحرك عبر الحكومة في بورتسودان والقوى السياسية الموالية له. السبب الرئيسي لذلك يعود إلى استبعاده من المؤتمر، والخشية من أن يقود المسار الدولي إلى تسوية سياسية تضع حداً للحرب خارج حساباته.
في المقابل، يمثل تحالف “صمود” والقوى المدنية امتداداً لمشروع ثورة ديسمبر، حيث يطرح رؤية واضحة تقوم على وقف الحرب فوراً، حماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية شاملة تؤدي إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية. هذه الرؤية تجد صداها في المجتمع الدولي، الذي بات ينظر للحرب في السودان كأزمة لا يمكن حلها عسكرياً.
الهجوم على مؤتمر برلين لا يمكن فصله عن هذه المعادلة. نجاح المؤتمر يعني زيادة الضغط الدولي، وتعزيز حضور القوى المدنية، وفتح مسار سياسي جديد. هذه النتائج تمثل تهديداً مباشراً للقوى التي تشكلت مصالحها في ظل الحرب.
في المحصلة، لا يتعلق الجدل حول مؤتمر برلين بالتمثيل أو السيادة، بل بمستقبل السودان نفسه. هناك مسار يسعى لوقف النزاع وإنهاء الكارثة الإنسانية، ومسار آخر يعمل على تعطيله.
وفي هذا السياق، تتضح الحقيقة بشكل مباشر:
من يهاجم مؤتمر برلين لا يواجه مؤتمراً، بل يواجه احتمال نهاية الحرب



