
ما يزال السودان يدور في الحلقة نفسها منذ عقود طويلة. دولةٌ غنية بالموارد، لكنها عاجزة عن تحويل هذه الثروات إلى تنمية حقيقية أو استقرار دائم. وبينما تتبدل الحكومات وتتعاقب الفترات الانتقالية، يظل جوهر الأزمة ثابتاً .. دولة تختنق بين بندقية لم تعد تريد العودة إلى ثكنتها، وسياسة لم تُمنح فرصة حقيقية لتستقر وتترسخ كعمل مؤسسي مدني.
لقد ترسخ عبر الزمن تصور اجتماعي وسياسي خطير، يتمثل في أن المؤسسة العسكرية ليست فقط جهازاً للدفاع، بل أيضاً مسار اجتماعي بديل، بل وحتى خياراً لمن لم تسعفه فرص التعليم الجامعي. هذا الفهم وإن كان له جذور اجتماعية في بعض السياقات، إلا أنه حين يتحول إلى قاعدة غير معلنة، فإنه يخلق خللاً عميقاً في بنية الدولة. فالمؤسسة العسكرية في جوهرها ليست بديلاً للفشل ولا ملاذاً اجتماعياً، بل هي مؤسسة احترافية عالية التخصص، تقوم على علوم التخطيط والاستراتيجية وإدارة المخاطر والتكنولوجيا العسكرية. لكنها تفقد جزءاً من هذه الاحترافية حين تنخرط في السياسة والاقتصاد وتتحول إلى فاعل مركزي في الصراع على السلطة.
في السودان لم تكن المشكلة يوماً في ندرة الموارد أو ضعف الإمكانات. فبلاد مثل السودان تمتلك ثروات هائلة من المعادن والنفط والزراعة والثروة الحيوانية والمياه. لكن السؤال الحقيقي ظل دائماً. من يدير هذه الموارد؟ وكيف تُدار؟ والإجابة المؤلمة أن الإدارة كثيراً ما خضعت لمنطق القوة بدل الكفاءة، ولمنطق السيطرة بدل البناء، ولحسابات السلطة بدل حسابات التنمية.
هذا الخلل أنتج دولةً تتكرر فيها الدورات السياسية نفسها.. انتقالات هشة، ثم صراعات على السلطة، ثم تدخلات عسكرية، ثم عودة إلى نقطة البداية. وفي كل دورة، تتآكل المؤسسات أكثر، ويزداد ضعف الدولة، بينما تتسع الفجوة بين الإمكانات الهائلة والواقع المتدهور.
إن أخطر ما في هذه المعادلة ليس فقط فشل السياسات الاقتصادية أو تدهور الخدمات العامة، بل إعادة إنتاج مفهوم الدولة كغنيمة تُتنازع بدلاً من كونها مؤسسة تُدار. وعندما تصبح الدولة مجالاً للصراع بدل أن تكون إطاراً منظماً للجميع، فإن كل محاولة إصلاح تتحول إلى حلقة جديدة في نفس الدائرة المفرغة.
الخروج من هذا الواقع لا يمكن أن يتم عبر حلول جزئية أو شعارات سياسية، بل يتطلب تحولاً جذرياً في طريقة فهم الدولة نفسها. أول هذه التحولات هو إعادة تعريف صارمة وواضحة لدور المؤسسة العسكرية، بحيث تعود إلى وظيفتها الأساسية كحارس للدستور وحدود الوطن، لا لاعب في إدارة الحكم أو الاقتصاد. أما التحول الثاني فيتمثل في ترسيخ مبدأ الاحتراف في إدارة الدولة، بحيث يصبح معيار التعيين والترقي هو الكفاءة والخبرة والمعرفة، لا الولاء والانتماء أو النفوذ. والتحول الثالث يتمثل في بناء دولة مؤسسات حقيقية، يكون فيها القانون فوق الجميع، وتُدار فيها السلطة وفق قواعد ثابتة لا وفق تسويات مؤقتة أو توازنات قوة.
لقد أثبتت التجربة السودانية، وغيرها من التجارب المشابهة، أن أي انتقال سياسي لا يضع هذه الأسس بوضوح، محكوم عليه بأن يعيد إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة. لذلك فإن الحاجة ليست إلى تغيير الوجوه فقط، بل إلى تغيير جذري في منطق الدولة نفسها. علينا أن نتحول من دولة تُستنزف ثرواتها في الصراع عليها إلى دولة تُستثمر ثرواتها في الإنسان والتنمية والاستقرار.



