
كتب الصحفي/ بابكر عثمان :
بعد بضعة أيام، سيستيقظ الشعب السوداني، أينما كان في أنحاء العالم، على حقيقة مرة، وهي مرور ثلاث سنوات كاملة على اندلاع الحرب المدمرة التي بدأت في 15 أبريل 2023.
في هذه المناسبة الأليمة، سنقرأ الكثير من المقالات والتعليقات التحليلية، لكن من المرجح أننا لن نقرأ كثيراً عن خيبة الأمل التي تسبب فيها أفراد ينتمون إلى مؤسستين عريقتين وركيزتين في الدولة وهما المؤسسة العسكرية والمؤسسة الطبية، أولئك الذين هربوا خارج السودان، تاركين مهامهم وواجباتهم في أحلك اللحظات.
قصص لا تحصى
على مدار السنوات الثلاث الماضية، سمعت قصصاً لا تُحصى عن ضباط في القوات المسلحة فروا إلى القاهرة أو دول الخليج بعد اندلاع المواجهات. بعضهم تذرع بالمرض، وآخرون قدموا حججاً متنوعة. وبالمثل، سمعت ورأيت أطباء كُثراً غادروا السودان وتركوا خلفهم مرضى وجرحى لمصير مجهول، مبررين هروبهم بنفس الحجج.
هذه المقدمة تقودنا بلا شك إلى مناقشات عميقة حول الأسباب التي تدفع إلى هذا الهروب الصادم، قد يرى البعض أنها مجرد نتيجة طبيعية لاهتزاز الانضباط المؤسسي، لكنني أعتقد أن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فمعظم هؤلاء الهاربين- اذا جاز التعبير – أو حتى أولئك الذين يفكرون في الهروب، هم في حقيقة الأمر ضحايا لتنشئة مجتمعية ومدرسية خائبة. فالطفل “المتفوق” يُؤهل نفسياً ليكون طبيباً، وكأن الطب هو أقصر الطرق للثراء والمجد الشخصي. أما الطفل “غير المتفوق” فقد يُوجه نحو الكلية الحربية ليصبح ضابطاً في الجيش، حيث ينتظره مستقبل باهر قد يصل به إلى رئاسة البلاد. ويُقال إن نمط التدريب العسكري نفسه يعزز هذه التطلعات.
يُحكى عن الطبيب المصري الراحل محمد المشاري (توفي 2020) أنه خلال دراسته في السنة الأولى بكلية الطب “قصر العيني”، خاطبهم أحد الأساتذة قائلاً: “من دخل هذه الكلية ليبني عمارة، فعليه أن يتركها فوراً ويذهب ليصبح تاجراً أو مضارباً في البورصة”. هكذا وجه ذلك الطبيب الأنسان انه في كثير من الأحيان يختلط الهدف النبيل للمهنة بالطمع الشخصي.
أما ضباط جيشنا، فقد تحول بعضهم إلى سماسرة وتجار وموظفين في شركات ومؤسسات الجيش. أتذكر في عام 2016، عندما اعتدى جنود تابعون للدعم السريع على قائد منطقة الضعين (برتبة عميد) في مكتبه، وأوسعوه ضرباً بالسياط. كشف الضابط عن ظهره أمام الكاميرات لتوثيق آثار الضرب، لكن أحد المعلقين على وسائل التواصل وجه له سؤالاً ساخراً: “كدي خلينا من آثار الضرب.. الكرش الكبيرة دي شنو؟” في إشارة ذكية إلى أن ذلك الضابط وغيره من ضباط الجيش تركوا الرياضة والتدريب المستمر، واتجهت أنظارهم إلى مكان آخر غير واجبهم العسكري.
الشغف المفقود
نخلص من كل ما سبق إلى أن الكثير من هؤلاء الأطباء أو الضباط لا يمتلكون شغفاً حقيقياً بالمهنة التي يزاولونها. فجزء كبير ممن يدخلون كليات الطب لا يحملون في قلوبهم رغبة في معالجة المرضى أو مساعدتهم، ولا يستطيعون حتى تحمل رؤية معاناتهم وآلامهم. أما الضابط المنتمي إلى هذه الفئة( فئة الجبناء ) فلم يدخل الكلية الحربية بدافع الشغف والحرص على حماية الوطن والدفاع عنه، أو الاستعداد للتضحية بنفسه من أجله.
إذاً، نحن أمام خلل في التربية المنزلية والمجتمعية، وأيضاً المدرسية وحتى الدينية، وهي تربية بعيدة كل البعد عن القيم الحضارية النبيلة. نحن بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير في طريقة تربيتنا لأبنائنا. يجب أن نغرس في نفوسهم قيم الولاء، والتضحية، والشغف بأعمالهم ومهنهم، قبل أن نحدثهم عن الثراء أو السلطة أو المجد الشخصي. وإلا، فسنظل نصطدم خلال كل أزمة بهذه الظاهرة المؤلمة، ظاهرة هروب من يفترض أن يكونوا عمادا للأمة في أحلك ساعاتها.



