وشهد شاهد من بني كوز علي سوء صنيعهم ،، ،،
*((الجرم الأكبر في تجربة الإسلاميين بالسودان ليس كما تظن !!؟؟))*

عوض ابوشعرة
*خالد التجاني*
*((الجرم الأكبر في تجربة الإسلاميين بالسودان ليس كما تظن !!؟؟))*
يذهب الناس مذاهب شتّى في تقييم تجربة حكم الإسلاميين في السودان منذ عام 1989.
هناك من يركّز على الفساد الذي إستشرى في مفاصل الدولة، وآخرون يتحدثون عن تدمير المؤسسات الكبرى، من المشاريع المروية إلى النقل النهري والخطوط الجوية والسكة حديد، بينما يشير بعضهم إلى ظاهرة المليشيات وما جرّته من ويلات على شعب السودان، ولا يغفل كثيرون آخرون كذلك عن دور السلطة البائدة في إذكاء النزعات الجهوية والقبلية كأداة للسيطرة فأتبعت سياسة فرق تسد فى نهج يحسدها عليه حتى ميكافيلى نفسه.!!
كل هذه الإنتقادات مشروعة ومؤسَّسة على وقائع دامغة. غير أنها، على خطورتها، تظل في تقديري مظاهر لخلل أعمق وأخطر هو تدمير وظيفة الدولة نفسها تجاه شعبها.
فالدولة، أيّاً كان شكلها، مدنية أو عسكرية، لا تقوم إلا على أساس شرعية مستمدة من العقد الإجتماعي. وتقوم هذه الشرعية على معادلة واضحة هى ما نص عليه العقد الإجتماعي أى يتنازل الشعب عن جزء من حرياته، مقابل أن تضمن له السلطة الأمن، وتحفظ النظام، وتكفل العدالة.
من هذا التوازن تنبثق مشروعية الحكم، وبدونه تفقد الدولة معناها.
غير أن تجربة الإسلاميين في السودان لم تُقِم وزنًا لهذا الأساس، فلم تُبنَ الدولة ككيان راعٍ للمجتمع، بل جرى التعامل معها كأداة.
والأخطر أن نمط الحكم لم يتشكّل في إطار سياسي مؤسسي حسب تجارب الشعوب الأخرى، بقدر ما كان إمتداداً مباشراً لعقلية السوق التى جبلوا عليها.
فمعظم من تولّوا إدارة الدولة جاءوا من خلفيات تجارية أو مصرفية أو إدارية ذات طابع ربحي، فانعكس ذلك على طريقة إدارتهم للسلطة.
لم يُنظر إلى الحكم بوصفه تكليفاً عاماً، بل بإعتباره فرصة، وكأن الإستيلاء على الدولة لم يكن انتقالًا إلى فضاء السياسة، بل توسعاً في النشاط التجاري.
وقد أعادت هذه العقلية تشكيل الدولة من الداخل بصورة مختلفة تماماً عن كل التجارب البشرية السائدة فى مختلف أنماط الحكم فى عالم اليوم.
فعلى مستوى المؤسسات السيادية، إنخرطت جهات يُفترض أن تكون مكرّسة للأمن والدفاع كالقوات المسلحة والأجهزة النظامية، إنخرطت في النشاط الاقتصادي المباشر، أنشأت شركات، وإستثمرت، وباعت وإشترت، وصدّرت وإستوردت.!!
وبهذا النمط من السلوك تحوّلت من مؤسسات لحماية الدولة إلى فاعلين إقتصاديين داخلها، في وضع يخلّ بطبيعتها ويقوّض حيادها ويصرفها عن مهامها الأساسية..!؟
أما على مستوى الجهاز التنفيذي، فلم تسلم الوزارات من هذا التحول، فقد أُنشئت شركات موازية تتبع لكل وزارة وترتبط بمراكز القرار داخلها ومع غياب الضوابط، أصبح المسؤول في كثير من الأحيان مشرّعاً ومنفّذاً ومستفيداً في آنٍ واحد.
وهنا يتجلّى بوضوح مفهوم تعارض المصالح، الذي لم يعد إستثناءً، بل تحوّل إلى نمط عام.
فالمسؤول في وزارة الصحة يستثمر في مستشفيات خاصة، ونظيره في التعليم العالي يرتبط بجامعات خاصة، بينما يشارك مسؤولون في التربية والتعليم في المدارس الخاصة.؟؟؟
في مثل هذا السياق، يغدو من العسير، إن لم يكن مستحيلًا، أن تُصاغ السياسات العامة في الدولة لصالح المواطن.
غير أن التحول الأخطر لم يكن في البنية المؤسسية للدولة وحدها، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
فقد إمتد منطق الربح إلى الحقوق الأساسية نفسها ونقصد تحديداً التعليم والصحة وهما من صميم واجبات الدولة تجاه مواطنيها فقد تحولا تدريجياً إلى سلع.؟؟
ما كان يُقدَّم باعتباره حقاً أصبح يُباع كسلعة لشعب بائس يقاتل لتوفير وجبة واحدة فى اليوم هذا إن أفلح !!.
تراجع أثر المؤسسات العامة في حياة الناس حتى كادت أن تتحول إلى هياكل مهملة عديمة الفائدة، في مقابل ذلك هنالك صعود لافت للقطاع الخاص ، قطاع محكوم بمنطق الربح يساق إليه الناس مكرهين بسبب بؤس مؤسسات الدولة الخدمية.!
وهكذا، لم يعد المواطن طرفاً في علاقة تعاقدية مع الدولة، علاقة تحفظ له كرامته كمواطن بل تحوّل إلى زبون يدفع مقابل كل شيء.. كل شيء حرفياً..!
وإنعكس هذا التحول حتى على المظهر العام وهيبة الدولة فى نظر مواطنيها، فقد أصبحت مقار المؤسسات الحكومية محاطة بالأنشطة التجارية، وتحوّلت فضاءاتها إلى إمتداد للسوق.
لم تعد الدولة تُرى كسلطة ذات وقار وهيبة، بل أصبحت فاعل إقتصادي آخر، ينافس ويستثمر ويسعى إلى الربح.
والأهم من ذلك كله، أن كثيرًا من المسؤولين لم يغادروا ذهنيًا موقعهم السابق كتجّار، بل إستمروا في ممارسة النشاط التجاري، مباشرة أو عبر واجهات، أثناء توليهم المناصب العامة.
هذا الجمع بين السلطة ورأس المال أفضى إلى تشوّه عميق في بنية الدولة، حيث أصبحت السياسات تُصاغ لخدمة الفرص الإستثمارية، لا لخدمة المواطن.؟؟
خلاصة القول:
إن الجرم الأكبر في تجربة الإسلاميين في السودان ليس الفساد وحده، ولا تدهور الخدمات، ولا حتى الحروب، بل تحويل الدولة من كيان راعٍ لمواطنيها إلى كيان يسعى لتحقيق الربح والفائدة مقابل كل خدمة تقدم للمواطنين .
وبذلك، لم يُنتهك العقد الإجتماعي فحسب، بل جرى إستبداله بمنطق آخر بالكامل، منطق السوق، حيث لا تُقاس قيمة المواطن بحقوقه، بل بقدرته على الدفع.
إن إعادة بناء السودان لا تبدأ بإصلاح البنية التحتية أو إعادة تعمير المشاريع فحسب، بل تبدأ بإعادة تعريف معنى الدولة، وإستعادة وظيفتها، وإحياء العلاقة التعاقدية بينها وبين مواطنيها.!!
بدون ذلك، سيظل أي إصلاح، مهما بدا كبيراً، سطحياً وعابراً ولا يعول عليه.



