.مع انطلاق امتحانات الشهادة الثانوية السودانية للعام 2026م اليوم الاثنين، داخل البلاد وخارجها، لا تبدو الأجواء مشبعة فقط بالتوتر الطبيعي الذي يلازم مثل هذه اللحظات المصيرية، بل تغلفها أيضاً غمامة من القلق الحقيقي لدى بعض الأسر التي تواصلت معنا، وهي تراقب بقلوب واجفة مصير سنوات من الاجتهاد قد تذهب بحسب مخاوفهم هباءً منثورا إن لم تُحسم مسألة العدالة في قاعات الامتحان.
هذه المخاوف لم تأتِ من فراغ، أحاديث متواترة تناولت ضعف في الرقابة ببعض المراكز خلال الامتحانات السابقة، خاصة في القرى والمناطق البعيدة، حيث يُقال إن التساهل بلغ حدّ السماح بممارسات تُقوّض مبدأ تكافؤ الفرص، إحدى الأمهات لخّصت المشهد بمرارة وهي تقول إن بعض المعلمين يشرفون على مراقبة طلابهم أنفسهم داخل القاعات، وهو وضع (إن صحّ ) يفتح الباب واسعاً أمام تضارب المصالح، ويهزّ ثقة المجتمع في واحدة من أهم مؤسسات التقييم في البلاد.
ليست المشكلة هنا في رواية فردية أو حادثة معزولة، بل في الأثر التراكمي لمثل هذه الانطباعات، التي إن تُركت دون معالجة، تتحول إلى قناعة عامة بأن العدالة ليست مضمونة، وعندما تهتزُّ العدالة، يفقد الامتحان معناه، ويتساوى المجتهد والمقصِّر، وتُظلم تلك النماذج المضيئة من الطلاب الذين سهروا الليالي، وتحمّلوا قسوة الظروف، على أمل أن يكون الاجتهاد هو المعيار الوحيد للنجاح.
امتحان الشهادة الثانوية في السودان ظل يحمل على مدار السنين، قيمةً رمزية كبيرة، ومكانةً رفيعة في محيطه العربي والأفريقي، بوصفه معياراً للجدية والانضباط الأكاديمي، ومن المؤسف أن تطال حالة السيولة والفوضى التي أفرزتها الحرب هذا الصرح التعليمي، فتُضعف من هيبته، وتُدخل الشك إلى نفوس من يفترض أنهم أكثر الناس ثقة فيه: الطلاب وأسرهم.
إن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الطلاب وحدهم، بل على الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة التربية والتعليم، التي تجد نفسها أمام اختبار حقيقي لا يقل أهمية عن الامتحان نفسه، اختبار في قدرتها على فرض الرقابة الصارمة، وتوحيد معايير الإشراف، وضمان استقلالية المراقبين، وإرسال رسالة واضحة بأن العدالة ليست خياراً، بل شرطاً لا يمكن التهاون فيه.
المطلوب اليوم تحرك عاجل وفعّال، يبدأ بالتحقق من هذه الشكاوى، ويمتد إلى وضع آليات رقابية أكثر صرامة، خاصة في المراكز الطرفية، مع الاستعانة بكوادر محايدة، وتفعيل قنوات الشكاوى، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الإخلال بنزاهة الامتحان، لأن القضية ببساطة ليست أوراق إجابة تُصحح، بل أحلام تُبنى أو تُهدم، وإذا ضاعت العدالة في الامتحان، ضاع معها الإيمان بأن الاجتهاد طريقٌ مضمون إلى المستقبل.



