تقارير

مأساة مجندي العليفون تهز السودان… 52 قتيلاً رسمياً و261 مفقوداً وتضارب حول العدد الحقيقي

17 ابريل 1998 – تواصلت تداعيات حادثة معسكر العليفون للخدمة الإلزامية، التي وقعت في 2 أبريل.الجاري، وسط تضارب واسع في الروايات بشأن ملابساتها وعدد ضحاياها، في وقت تؤكد فيه السلطات أن سبب الوفاة هو الغرق، بينما تتزايد الضغوط السياسية والشعبية لكشف كامل الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
وأعلنت النيابة العامة السودانية أن تحقيقاتها، التي شملت استجواب 15 شاهداً من أهالي المنطقة والعاملين في المعسكر وبعض الناجين، إضافة إلى تقارير التشريح الصادرة عن المدير الطبي لمستشفى الخرطوم، خلصت إلى أن سبب وفاة المجندين هو الغرق.
وأوضحت النيابة أن الحادث وقع مساء الخميس أثناء صلاة المغرب، عندما فرّ عدد من مجندي الخدمة الإلزامية من معسكر العليفون باتجاه النيل الأزرق، واستقلوا مراكب صيد كانت راسية على الضفة الشرقية، قبل أن ينقلب أحدها، ما أدى إلى غرق عدد منهم.
وبحسب بيان النيابة، بدأت عمليات البحث صباح اليوم التالي بعد بلاغ بوجود ثلاث جثث على النيل الأزرق، حيث تمكنت فرق الإنقاذ النهري من انتشال 52 جثة حتى يوم الأحد، جرى تصويرها وأخذ بصماتها وتشريحها، فيما تم التعرف على 18 منها وتسليمها إلى ذويها، بينما دُفن الباقون بواسطة السلطات الصحية لعدم التعرف عليهم.
غير أن مصادر غير رسمية قدرت عدد الضحايا بأكثر من 100 مجند، مشيرة إلى أن الرقم المعلن يقتصر على الجثث التي تم انتشالها، في حين يبلغ عدد المفقودين من المعسكر نحو 261 مجنداً، وهم من نتاج حملات القبض التي شهدتها العاصمة خلال شهري فبراير ومارس في أوساط المطلوبين للتجنيد.
وأوضحت هذه المصادر أن صعوبة التعرف على الجثث تعود إلى استخدام العديد من المجندين أسماء وعناوين غير حقيقية عند توقيفهم في الشوارع والأسواق، وبعضهم من العاملين في القطاع الخاص أو من سكان القرى الذين قدموا إلى الخرطوم في زيارات عابرة.
وفي إفادات حكومية لاحقة، ذكر مصدر رسمي أن المعسكر كان يضم 1,162 مجنداً، حاول 250 منهم الفرار لقضاء عطلة عيد الأضحى مع أسرهم، مؤكداً أن 54 منهم غرقوا نتيجة تكدسهم في قارب صيد لا يتسع لأكثر من خمسة أشخاص. وأشار إلى أن قوات سلاح المهندسين أنقذت 95 مجنداً، بينما عاد 107 إلى المعسكر، وفرّ 103 آخرون، لافتاً إلى أن السلطات أعدّت قائمة بأسماء الفارين وأحالتها لإدارة الخدمة الإلزامية لمحاولة الاتصال بذويهم. كما أوضح أنه تم تسليم 19 جثة إلى الأسر، بينما تعذر التعرف على بقية الضحايا.
وفي المقابل، أفاد سكان محليون في منطقة العليفون بسماع إطلاق زخّات من الرصاص أثناء الحادث، وهو ما لم تؤكده الرواية الرسمية، إذ نفى مسؤول عسكري إطلاق النار على المجندين كما ذكر التجمع الوطني الديمقراطي المعارض.
وأثارت الحادثة موجة غضب شعبي، حيث تجمهر عدد من الأمهات أمام القصر الجمهوري خلال استقبال الرئيس عمر البشير للمهنئين بعيد الأضحى، للتعبير عن احتجاجهن، قبل أن تقوم قوات الأمن بتفريقهن باستخدام القوة.
وعلى الصعيد الرسمي، أعلن مجلس الوزراء، في اجتماع برئاسة الرئيس البشير، أن القيادة العامة للقوات المسلحة شكّلت لجنة تحقيق لكشف ملابسات الحادث، معرباً عن تعازيه لأسر الضحايا، ومشيداً بدور المواطنين والشباب في الدفاع عن الوطن، ومؤكداً استمرار الجهود لحماية البلاد. كما استمع المجلس إلى تقرير من وزير الدفاع الفريق إبراهيم سليمان حول الأوضاع الأمنية، تناول فيه ما وصفه بالتهديدات الخارجية وتصدي القوات المسلحة لها.
في السياق ذاته، بدأت جهات مؤيدة للحكومة في الدفاع عن سياسات الخدمة الوطنية، حيث تقدمت نقابة المحامين الموالية للحكومة بمذكرة إلى رئاسة الجمهورية طالبت فيها بتشكيل لجنة تحقيق، ومحاسبة المسؤولين عن أي أخطاء، وإحاطة الرأي العام بنتائج التحقيق. كما دعت إلى إعادة النظر في توقيت تجنيد الطلاب، خاصة بعد تطبيق قانون يُلزم طلاب السنة النهائية في المرحلة الثانوية بأداء الخدمة الوطنية كشرط للحصول على نتائجهم والالتحاق بالجامعات، وهو القانون الذي طُبق لأول مرة على هذه الدفعة.
وأشارت المذكرة إلى أن غياب الشفافية في عرض تفاصيل الحادثة قد يُفسَّر على أنه تقليل من قيمة حياة المجندين ومشاعر ذويهم، لافتة إلى أن بعض الممارسات المرتبطة بالتجنيد أسهمت في تشويه صورة الخدمة الوطنية وإثارة القلق لدى الأسر. واعتبرت أن هناك حاجة إلى تعزيز التوعية وإعادة النظر في أساليب الاستيعاب، بدلاً من الاعتماد على حملات القبض والإجبار.
وفي تعليقه، وصف مستشار رئيس الجمهورية للشؤون القانونية عبد الباسط سبدرات مذكرة نقابة المحامين بأنها “إيجابية” وتحمل روح المسؤولية، وتهدف إلى تطوير تجربة الخدمة الوطنية وإزالة ما علق بها من شوائب.
كما تناولت الصحف المحلية الحادثة بانتقادات لاذعة، حيث دعت صحيفة حكومية إلى مراجعة وسائل تحفيز الشباب للانخراط في الخدمة الوطنية بدلاً من أساليب القبض، بينما وصفت كتابات صحفية أخرى الحادثة بأنها “مأساة” و”فضيحة” تستدعي الوقوف عندها، منتقدة ما وصفته بضعف البيان الرسمي وتأخره وعدم احتوائه على تفاصيل كافية، خاصة في ظل انتشار روايات شعبية دقيقة حول ما جرى.
وفي خضم هذه التطورات، ألغت إدارة الخدمة الوطنية مؤتمراً صحافياً كان مقرراً، بعد تشكيل لجنة التحقيق العسكرية، ما زاد من حالة الترقب والجدل في الشارع السوداني، الذي لا يزال ينتظر إجابات حاسمة حول العدد الحقيقي للضحايا والمسؤوليات الكاملة عن الحادث. (صحافة الخرطوم)

زر الذهاب إلى الأعلى