العسجد… حين يستخفُّ الحاكم بعقول الناس‼️
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾

✍️ محمد الفاتح حضرة
كلما تدبرت قصة فرعون في القرآن الكريم، ازددت يقينًا أن الله سبحانه وتعالى لم يقصها علينا لنلعن فرعون ثم نمضي…
بل لنكتشف كيف يولد الاستبداد؟ وكيف يعيش؟ ولماذا ينهار؟
كثيرون يظنون أن المشكلة كانت في فرعون وحده…
لكن القرآن يكشف أن المشكلة كانت في فرعون… وقوم فرعون معًا.
لقد قال فرعون:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
(النازعات: 24)
وقال:
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: 38)
وأمر بقتل الأبرياء…
وطارد نبي الله موسى عليه السلام…
وحشد الناس للحرب…
وساقهم إلى الغرق…
ومع ذلك…
وجد من يصفق له…
ومن يطيعه…
ومن يقاتل معه…
ومن يرى الباطل حقًا، والحق باطلًا‼️
ثم لخص القرآن سرَّ هذه الظاهرة في آية واحدة، هي من أعظم سنن الاجتماع البشري والسياسي:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54)
🫵تأملوا هذه الآية جيدًا…
لم يقل الله تعالى:
فأكرههم…
ولم يقل:
فأجبرهم…
🫵بل قال:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾.
أي أنه احتقر عقولهم…
واختبر استعدادهم لتصديق كل ما يقول…
فوجد فيهم قابلية للطاعة العمياء.
لكن القرآن لم يجعل الاستخفاف وحده هو السبب الوحيد…
بل كشف السبب الأعمق:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ‼️
🫵وهنا يقف المتدبر طويلًا…
فالفسق في لغة القرآن هو الخروج عن أمر الله والحق..
وقد بيّن الطبري وابن كثير أن طاعتهم لفرعون لم تكن لأنه أقوى منهم فحسب، وإنما لأن فسادهم الأخلاقي جعلهم يقبلون الباطل ويعرضون عن الحق.
وأشار محمد متولي الشعراوي إلى أن الطاغية لا يستطيع أن يصنع الاستبداد وحده، بل يحتاج إلى مجتمع يتنازل عن مسؤوليته في التفكير والتمييز بين الحق والباطل.
وفي زماننا…
قد لا يكون الفسق السياسي أن يعبد الناس الحاكم…
بل أن يبرروا ظلمه…
وأن يسكتوا عن فساده…
وأن يدافعوا عن تناقضاته…
وأن يهاجموا كل من يطالب بالشفافية والمساءلة…
وأن تصبح الطاعة للأشخاص، لا للمبادئ…
وللقوة، لا للحق.
🛑
ومن هنا…
فإن قضية العسجد ليست في حقيقتها قضية شركة..
وليست قضية امرأة..
وليست قضية اسم..
🫵إنها قضية منهج و أخلاق.
فالذي يلفت النظر ليس أن شركة تقدمت بطلب ترخيص…
بل أن الجهة المختصة منحتها الترخيص…
واحتفت بذلك رسميًا…
ثم عادت بعد أيام قليلة فألغته.
هنا ينتهي الحديث عن الشركة…
ويبدأ الحديث عن الإدارة.
إذا كانت الشركة مستوفية للشروط…
فلماذا أُلغي الترخيص؟!!
وإذا لم تكن مستوفية للشروط…
فكيف مُنح الترخيص أصلًا؟!!
لا يوجد جواب ‼️
🛑
المساءلة في كل نظم الإدارة الرشيدة لا تبدأ من طالب الترخيص…
بل تبدأ ممن منحه الترخيص.
لأن طالب الترخيص مارس حقًا متاحًا له.
أما المسؤول الذي يملك سلطة المنح، فهو الذي يتحمل مسؤولية قراره أمام الناس..
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
من هي عسجد؟
🧐🫵بل:
من منحها هذا المفتاح؟
ومن الذي راجع ملفها؟
ومن أوصى بالموافقة؟
ومن وقّع؟
ثم…
من الذي أمر بإلغاء القرار بعد أيام؟
ولماذا؟🤔
🛑الأخطر من كل ذلك…
أن الرأي العام لم يجد حتى الآن رواية مؤسسية متماسكة تشرح ما جرى.
الشفافية ليست منحة تمنحها السلطة للناس…
بل هي واجب عليها.
المؤسسات المحترمة لا تكتفي بإصدار القرارات…
بل تشرح أسبابها…
وتتحمل مسؤوليتها…
وتحترم عقول المواطنين.
أما حين يُطلب من الناس أن يصفقوا عند المنح…
ثم يصفقوا مرة أخرى عند الإلغاء…
دون تفسير…
فهنا نستحضر تلكم الآية مرة أخرى:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾.
القرآن لا يروي لنا التاريخ للتسلية…
بل ليحذرنا من أن يتحول المجتمع إلى جمهورٍ فرعوني يقبل كل قرار، ثم نقيضه، دون أن يسأل:
لماذا؟!!
إن الأمم لا تنهض حين تخاف من السؤال…
بل تنهض حين تجعل المساءلة والشفافية واحترام عقول الناس أساسًا لإدارة الشأن العام.
🫵ولذلك أقول:-
إن قضية العسجد ستنتهي…
أما الدرس الذي ينبغي ألا ينتهي فهو:
لا تمنحوا أحدًا الحق في أن يستخف بعقولكم…
فالطغيان لا يعيش بقوة الطغاة وحدهم…
بل يعيش أيضًا حين يجد من يبرر، ويصفق، ويصمت.
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
🛑 بيت القصيد…
إن طريقة التعامل مع ملف العسجد ليست حادثةً إداريةً معزولة…
بل هي انعكاسٌ لمنهجٍ في إدارة الشأن العام برز في السودان منذ 25 أكتوبر 2021..
منهجٌ يقوم على إصدار القرارات الكبرى، ثم مطالبة الشعب بالتسليم بها، دون شفافيةٍ كافية، ودون مساءلةٍ حقيقية، ودون تفسيرٍ مقنع حين تتغير تلك القرارات.
وإستنادًا إلى هذا المنهج…
جاء قرار الانقلاب…
ثم جاءت قراراتٌ أخري مصيرية كثيرة…
ومن بينها قرار الحرب وقرار الإستمرار في الحرب…
قرار الاستمرار في الحرب ، رغم كل ما خلّفته من مآسٍ إنسانية واقتصادية واجتماعية هائلة.
والأخطر من ذلك كله هو ردة فعل من تم الإستخفاف بعقولهم وصدر قرار الحرب بإسمهم …الشعب السوداني ‼️
أغلب الشعب السوداني لم يكتفي بقبول تلك القرارات، بل اندفع إلى تبريرها والدفاع عنها، وأحيانًا مهاجمة كل من يطالب بالمراجعة أو المساءلة أو البحث عن بدائل عن الإستمرار في الحرب. ‼️
وهنا نستحضر مرةً أخرى قول الله تعالى:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ ﴿الزخرف: 54﴾
🫵القرآن هنا لا يحمّل المسؤولية للطاغية وحده…
بل يلفت الأنظار أيضًا إلى مسؤولية الشعب والمجتمع عندما يتخلى عن واجب السؤال، والمحاسبة، والتمييز بين الحق والباطل.
ولذلك…
فإن أخطر ما في قصة العسجد ليس ترخيصًا مُنح ثم أُلغي…
وإنما أن تتحول إدارة وطنٍ كامل إلى ثقافةٍ تقول للناس:
“لا تسألوا… فقط أطيعوا.”
حين تصبح الطاعة العمياء بديلًا عن الوعي…
والمساءلة جريمة…
والشفافية ترفًا…
فاعلم أن المشكلة لم تعد في قرارٍ واحد…
وإنما في المنهج الذي يصنع القرارات كلها.
ومن هنا..يمكن للشعب السوداني أن يبدأ رحلة الإصلاح الحقيقي… بإحياء قيمة السؤال، وإقامة المؤسسية، وإخضاع كل صاحب سلطة للمساءلة، فلا أحد فوق المحاسبة، ولا قرار فوق النقد، ولا وطن ينهض إلا بعقولٍ حرة لا تقبل أن يُستخف بها.
#العسجد #بنك_السودان #الشفافية #المساءلة



