الأعمدة

إلى دكتور عبد الله علي إبراهيم في سطحه: توظيف مفهوم الدولة

بقلم: علي تونجا علي
لا يبدو مقال دكتور عبد الله علي إبراهيم الذي كتبه تحت عنوان نقابة المنتحرين: حرب الحداثيين للظلام بالظلام محكمًا رغم ما يتكئ عليه من لغة مفاهيمية وادعاء للصرامة التحليلية. فبقدر ما يسعى فيه إلى نقد ما يصفه بـ”فوضى المفاهيم” عند خصومه، يقوم الدكتور ببناء مقاله على نمط متكرر من الاختزال والانتقاء في توظيف المفاهيم وهو ما ينعكس سلبًا على تماسكه الاستدلالي.
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في استدعائه لأعمال ماكس فيبر (وسنتخذ منها نموذجًا في مقالنا هذا، ليس لأنها الأوضح، فالمقال مليء بمثلها، ولكنها في الحقيقة لما تمثله من ثقل في الأزمة السودانية)، حيث يعتمد على تعريف الدولة بوصفها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف ويقدمه بوصفه أساسًا تفسيريًا كافيًا. غير أن هذا التوظيف يقوم على اقتطاع التعريف من سياقه النظري، وإعادة تقديمه بصورة مكتفية بذاتها.
فماكس فيبر يعرّف الدولة بأنها:
“الجماعة البشرية التي تدّعي (بنجاح) احتكار الاستخدام المشروع للعنف الفيزيائي داخل إقليم معيّن.”
غير أن هذا التعريف كما يورده فيبر في سياق تحليله يمضي بربطه بشرطي “النجاح” و”الشرعية” أي أن احتكار العنف ليس معطى ثابتًا لكنه يظل عملية اجتماعية وسياسية مشروطة بالاعتراف والاستمرار. ومن ثم، فإن العنف هنا يمثل بدايته التحليل لا نهايته.
غير أن المقال الذي كتبه الدكتور محل النقاش يتعامل مع هذا التعريف بوصفه نتيجة مكتملة، وليس مدخلًا مفتوحًا. إذ يتم عزله عن سياقه المتعلق بالشرعية وأنماط السيطرة، ليعاد توظيفه كصيغة تقريرية مغلقة. وبهذا، يتحول المفهوم من أداة تحليل إلى أداة تثبيت.
ينعكس هذا التجميد في الطريقة التي تُعرض بها الدولة داخل ما كتبه دكتور عبدالله حيث تُقدم لا بوصفها ظاهرة تاريخية متحوّلة. وبهذا، يتم تجاوز الأسئلة التي يفتحها مفهوم فيبر نفسه ، لصالح تأكيد نتيجة مسبقة مفادها أن العنف خاصية ملازمة للدولة، لا مدخلًا لتحليل شروطها وحدودها.
كما يظهر هذا الاختزال في الأثر الذي يترتب عليه داخل المقال، حيث يتم توظيف التعريف لإغلاق النقاش حول الدولة لا لتوسيعه. فبدلًا من استخدام مفهوم احتكار العنف لتحليل كيفية ممارسته، يتم الاكتفاء بإثبات وجوده ومن ثم البناء عليه في نقد مواقف الخصوم، وكأن إثبات الخاصية يغني عن تحليلها.
ويمتد هذا النمط من التوظيف إلى مقاربته لما يسميه الحداثيين، حيث يعتمد على إبراز تناقضات في استخدامهم للمفاهيم، دون أن يخضع هو نفسه لنفس معيار الاتساق الذي يطالبهم به. فكما يتم انتقادهم على إطلاق المفاهيم دون ضبط، يتم في المقابل استخدام مفهوم الدولة عند ماكس فيبر بصورة مختزلة لا تعكس تعقيده النظري.
وفي هذا السياق، يتحول النقد من مساءلة المفاهيم إلى توظيف لها في اتجاه واحد، يفضي إلى تثبيت تعريف محدد للدولة، بدلًا من فتحه للنقاش. وهو ما يكشف أن الإشكال يكمن في حدود استخدام النظرية، لا في نصها.
وعليه، يمكن القول إن توظيف مفهوم الدولة عند ماكس فيبر في هذا المقال لا يعمل كأداة تفسير، بقدر ما يعمل كآلية لإغلاق إمكانات التفسير. فبدلًا من أن يتيح المفهوم تحليل العلاقة بين العنف والشرعية، يتم عزله في بعد واحد، واستخدامه لتأكيد نتيجة مسبقة.
وبهذا، لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في قراءة تعريف فيبر، بل في طريقة استخدامه وحدود هذا الاستخدام: هل يُستدعى بوصفه مدخلاً مفتوحاً لتحليل الظاهرة السياسية، أم يُعاد تشكيله كإطار مغلق يخدم نتيجة مسبقة؟
يبدو أن الإشكال هنا لا يكمن في المفهوم ذاته، بل في كيفية اعتلائه. إذ يتحول التعريف، في هذا النمط من التوظيف، إلى ما يشبه سلّماً نظرياً يُستخدم للارتقاء فوق النقاش، لا للانخراط فيه. يتم الصعود عليه مرة واحدة، ثم يُترك خلف الظهر، دون الالتفات إلى درجاته الأخرى، حيث الأسئلة التي كان يمكن أن تفتح أفق التحليل.
بهذا المعنى، لا يصبح المفهوم أداة لفهم الدولة، بل منصة ثابتة لإعادة إنتاج موقف مسبق منها. وهنا تحديداً يفقد التحليل حركته، لأنه يكتفي ببلوغ السطح، دون أن يخاطر بالنزول مجدداً إلى تعقيداته.

زر الذهاب إلى الأعلى