الأعمدة

بانتصاف نهار هذا اليوم، لا يكتمل عامٌ فحسب، بل تُطوى صفحة ثقيلة من عمر هذا الوطن

عثمان فضل الله
بانتصاف نهار هذا اليوم، لا يكتمل عامٌ فحسب، بل تُطوى صفحة ثقيلة من عمر هذا الوطن… ثلاث سنوات مرّت، كأنها دهرٌ كامل، بكل ما حملته من وجعٍ لا يُختصر، ومن أسئلةٍ لا تجد طريقها إلى الإجابة.
ثلاث سنوات لم تكن مجرد زمنٍ يُقاس بالتقويم، بل كانت اختبارًا قاسيًا لما تبقّى فينا من صبر، ومن قدرة على الاحتمال. في كل يوم منها، كان هناك شيء ما ينكسر بصمت: جدارٌ في بيت، طريقٌ في مدينة، أو يقينٌ في قلب إنسان.
وحين نسأل اليوم: ماذا جرى لنا؟ لا يكون السؤال بحثًا عن سردٍ للأحداث، بل محاولة لفهم هذا الثقل الذي استقر في الصدور. كيف تحوّل كل هذا الامتداد من الحياة إلى مساحةٍ ضيقة من القلق؟ وكيف صار الغد مؤجلًا إلى أجلٍ غير معلوم؟
ثلاث سنوات… لم تترك أحدًا على حاله.
هناك من غادروا بلا وداعٍ كافٍ، تاركين خلفهم فراغًا لا يُملأ. وهناك من بقوا، لكنهم لم يعودوا كما كانوا؛ خفتت فيهم أشياء، وانطفأت ملامح كانت تمنح الحياة معناها البسيط. لم تعد الخسارة حدثًا طارئًا، بل صارت جزءًا من المشهد، كأنها شيءٌ مألوف، وهذا في حد ذاته خطر ما يمكن أن يحدث.
وإذا حاولنا أن نبحث عن “مكسب” واحد وسط هذا الركام، سنجد أنفسنا أمام صمتٍ طويل. لأن ما يُبنى على الألم لا يستقيم، وما يُنتزع بالقوة يظل هشًا، مهما بدا صلبًا في لحظته.
لكن، ورغم ذلك، لم تختفِ كل المعاني.
في زوايا بعيدة عن الضجيج، ظلّت هناك أفعال صغيرة تقاوم هذا الانحدار: يدٌ تمتد في وقت الشدة، بابٌ يُفتح لطارقٍ مجهول، كلمةٌ طيبة تُقال في لحظةٍ قاسية. أشياء تبدو بسيطة، لكنها في مثل هذا السياق تصبح فعل نجاة، وإشارة إلى أن ما تبقّى في الناس لا يزال يستحق التمسك به.
اليوم، ونحن نعبر من عامٍ ثالث إلى رابع، لا يبدو المشهد وكأنه بداية جديدة، بقدر ما هو استمرارٌ لامتحانٍ لم ننجح بعد في إنهائه. وهذا ما يجعل التوقف ضروريًا، ليس للبكاء وجلد الذات ، بل للمراجعة.
هل كان يمكن تفادي كل هذا؟ ربما.
هل يمكن إيقافه الآن؟ يجب.
لأن الاستمرار ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة لخياراتٍ تتكرر. وكل يوم إضافي في هذه الحرب ليس مجرد رقم، بل حياة أخرى تُدفع ثمنًا، وجرحٌ جديد يُضاف إلى ذاكرة مثقلة أصلًا.
العام الرابع لا ينبغي أن يُستقبل كتحصيل حاصل، ولا كمرحلة عابرة. بل كإنذارٍ واضح: أن ما يجري تجاوز كل حدود الاحتمال، وأن الصمت عليه لم يعد حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في إطالته.
في هذه اللحظة، لا نحتاج إلى بلاغةٍ عالية، ولا إلى كلماتٍ كبيرة. نحتاج إلى شجاعةٍ بسيطة: أن نعترف بحجم ما حدث، وأن نرفض أن يكون هذا المصير هو الشكل النهائي لحكايتنا.
لأن البلاد، في جوهرها، ليست ما تهدم منها، بل ما يبقى في أهلها من رغبةٍ في استعادتها.
ثلاث سنوات انقضت… والرابعة تبدأ الآن.
وبين الرقمين، يقف وطنٌ كامل، لا يطلب المعجزات… فقط فرصةً أخيرة ليعود إلى نفسه.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى