
دكتورة احسان فقيري
ضمن سلسلة مقالات “عدالة نسوية”، تقدم الدكتورة إحسان فقيري هذا المقال الذي تناقش فيه الانتقال بمفهوم العدالة النسوية من كونه مصطلحاً يُساء فهمه باعتباره ترفاً، إلى كونه ضرورة حتمية لإحداث تغيير هيكلي عميق في بنية المجتمع والدولة.
العدالة النسوية.. من ترف المصطلح إلى ضرورة التغيير الهيكلي
د. إحسان فقيري
غالباً ما يُطرح تساؤل حول العدالة النسوية، هل هي مجرد “ترف” اجتماعي وسياسي، أم أنها محض شعار ترفعه الناشطات لغرض الحشد وتغيير اللغة السياسية؟ والحقيقة أن العدالة النسوية مفهوم يتجاوز المطالبة بالمساواة القانونية والاقتصادية الضيقة -كالحق في الوظائف مثلاً – ليقدم رؤية شاملة تهدف إلى تفكيك البنية الأبوية التي تمنح الرجل امتيازات تاريخية على حساب حقوق النساء وواجباتهن.
أولاً: العدالة النسوية كشرط للحرية والسلام، إن العدالة النسوية هي حجر الزاوية لأي حرية أو سلام حقيقي؛ فالمجتمع الذي يتغاضى عن قهر المرأة لا يمكنه إنتاج عدالة حقيقية حتى للرجل. لذا، يجب استبدال ثقافة تبرير العنف تحت ستار “العرف والدين” بثقافة قائمة على الاحترام المتبادل والشراكة الكاملة، مع الاعتراف بالمرأة كإنسان كامل الأهلية في خدمة المجتمع وقيادته.
ثانياً: جندرة الاقتصاد والعمل المنزلي، منذ الثورة الصناعية، استقر تقسيم العمل على حصر الرجال في المصانع والنساء في البيوت. ورغم خروج المرأة إلى العمل العام، ظلت الأعباء المنزلية “حقاً حصرياً” عليها، وظل هذا العمل غير مدفوع الأجر ومستبعداً من الحسابات القومية.
تقتضي العدالة النسوية، الاعتراف الاقتصادي و إدراج العمل المنزلي ضمن الدورة الاقتصادية المعترف بها. وجندرة الموازنة العامة بوضع موازنات تراعي النوع الاجتماعي وتخفف من معاناة المرأة في “اللهاث” بين العملين الداخلي والخارجي. وحماية الهامش عبر مد مظلة التأمين الاجتماعي والعلاجي لتشمل النساء في القطاعات غير المنظمة، والنازحات، والنساء في مناطق التهميش.
ثالثاً: المشاركة السياسية.. ما وراء “التمثيل الصوري”
ظلت مشاركة المرأة السياسية، لزمن طويل، حبيسة فكرة “تمامة الجرتق” (التمثيل الرمزي أو الشكلي)، بينما تهدف العدالة النسوية إلى تمكين نساء يمتلكن القدرة الفعلية على صياغة القوانين والسياسات التي تدفع بالمجتمع نحو الأمام، بعيداً عن أدوار “الديكور” السياسي.
رابعاً: التقاطعية والتضامن النسوي، النساء لسن كتلة واحدة؛ فالمعاناة تختلف باختلاف الطبقة، والعرق، والدين، والجغرافيا. تعاني المرأة أحياناً لا لكونها امرأة فحسب، بل لانتمائها إلى منطقة مهمشة أو جماعة عرقية مضطهدة.
وهنا تبرز قيمة المبادرات الحقوقية (مثل “لا لقهر النساء”) التي انتهجت مبدأ التضامن الرفاقي؛ إذ كانت الناشطات يقدمن أنفسهن للاعتقال مع الفتيات المستهدفات من مناطق النزاع كـ (دارفور) لضمان عدم الاستفراد بهن، في تجسيد حي لمعنى العدالة التي لا تتجزأ.
خامساً: العدالة في مناطق الصراعات والقوانين التمييزية، في الحروب، يُستخدم جسد المرأة كأداة حرب، وتمر الانتهاكات من قتل واغتصاب دون محاسبة. العدالة النسوية هنا تعني:
القصاص للضحايا ووضع ضمانات حقيقية لعدم تكرار الانتهاكات. ومواجهة القوانين التمييزية، أي الوقوف بصلابة ضد قوانين (النظام العام، والقانون الجنائي، وقانون الأسرة) التي قيدت حرية النساء في اللباس، والحركة، وحقوق الحضانة والسفر.
إن العدالة النسوية ليست ترفاً فكرياً ولا شعاراً موسمياً، بل هي معركة وعي وبناء عميق لمجتمع أكثر إنصافاً وتماسكاً. فإما أن تُبنى الدولة على أساس المساواة الكاملة بين مواطنيها ومواطناتها، أو تظل رهينة اختلالات بنيوية تعيد إنتاج الظلم بأشكال مختلفة.
إن أي مشروع ديمقراطي لا يضع العدالة النسوية في قلبه، محكوم عليه بأن يكون ناقصاً، هشاً، وقابلاً للانهيار. فالعدالة التي لا تشمل النساء، ليست عدالة… والسلام الذي لا يحمي أجسادهن وحقوقهن، ليس سلاماً.
العدالة النسوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فالتهميش الذي طال النساء هو جزء من تهميش أوسع للمجتمع، والاعتراف بالحقوق النسوية هو المدخل الوحيد والضروري لبناء دولة المواطنة الحقيقية.



