الأعمدة

ماتت مزن : في ذاكرة الفجيعة النيل يبكي مرة أخرى

شوقي عبد العظيم
في ختام عامها الثالث، تجدد الحرب تعريف نفسها بوصفها ميقات الهزيمة السودانية الأكبر. وفي الخامس عشر من أبريل، مع مفتتح العام الرابع، يختطف الموت مزن من بيننا، فتشرق شمس السودانيين على حزنٍ جديد، يتجدد فيه الألم مع توقف نبض الثورية المصادمة؛ بت النيل والطين، الباشمهندسة والكاتبة، والمنتمية بحقٍ إلى البسطاء في الحياة البسيطة: “مزن النيل”.
في الذكرى السنوية لاشتعال الحرب، خطف الموت من عنونت صفحتها على فيسبوك بعبارتها التي اختزلت موقفها الإنساني والسياسي: “موقفي السياسي أنو الناس ما تتكتل”. كانت، طوال عمرها، ترفض أن يقتل بعضنا بعضاً، وترفض أن نتحول إلى مجرد منصاتٍ تجريبيةٍ لرصاص الدولة. توقّف قلبها الذي لم يعد يحتمل هذا “الغبن” الثقيل. هنا، من لم يمت بالحرب، طعنته “ذبحة” تتابعت مضاعفاتها ومضت بهدوءٍ موجع.
تقول الشاعرة السودانية والكاتبة إيماض بدوي:
“يا مزن في تاريخ اندلاع الحرب البغيضة ما بس نقصتينا نفر، طويتي أرواحنا تحت جناح المغادرة يا ملاك”.
ومزن، التي رحلت مبكياً على شبابها، باحثة وكاتبة من السودان، جمعت بين خلفياتٍ عملية وأكاديمية في الهندسة والاقتصاد والسياسات العامة. وهي من مؤسسي مركز استناد العامل في أبحاث الابتكار والعلوم والتكنولوجيا من أجل التنمية النافعة للناس. ركزت في عملها البحثي على السياسات الصناعية، ولها أوراق علمية منشورة في هذا المجال. كما نُشرت لها مقالات في الشأن السياسي السوداني عبر منصات متعددة، منها الاشتراكيين الثوريين، والجزيرة إنكليزي، ومعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط وغيرها. نذرت عمرها لمقاومة أن يسقط العالم بثقله على أجساد الفقراء.
قاومت بقدر ما استطاعت، ومثلها لا يكون إلا “ديسمبرياً” ينثر الوعي في الطرقات كما تنثره كتاباته. ومع هذا الحزن البالغ والخسارة العظيمة، لصديقات وأصدقاء وأهل مزن النيل، تتكشف خسارةٌ عامةٌ أكبر: لمثقفة وكاتبة كانت تنشغل بجوانب غير مطروقة ومهمة، وتكتب بعمقٍ وتحليلٍ، متجنبةً الخفة والاستعجال. يقول عمر عشاري، وهو يستبطن معنى الفقد: “أي قلب توقف عن الخفقان!”، وأي فقدٍ ذلك الذي ستتركه مزن في الشوارع والساحات.
وفي نعيهم لمزن، يعدد أبوعبيدة النيل مآثرها قائلاً إنها كانت شعلةً من النشاط الملهم، وجسراً متيناً للدفاع عن قضايا الإنسان السوداني، وصوتاً جسوراً لمن لا صوت لهم، وقامةً شامخة لم تنحنِ أمام التحديات.
لقد أسهمت الفقيدة بفعالية واقتدار في إثراء الحراك المدني والمبادرات الحقوقية بجهدٍ متفرد وفكرٍ نيّر، تاركةً وراءها بصمةً لا تُمحى.
رحلت مزن جسداً، لكن مبادئ النضال التي آمنت بها بقيت حيّة، ومسار الدفاع عن الحقوق الذي عبدته بجهدها ظل ملهماً للأجيال من بعدها.
إن فقدها ليس شأناً خاصاً، بل خسارةٌ لكل من يؤمن بأن هذا العالم يمكن أن يتغيّر، ولكل من يعرف أن التغيير لا يأتي إلا عبر من يشبهون مزن: شجعان، واضحون، وعنيدون.
لم تكن مزن مجرد اسمٍ عابر، بل فكرةٌ حيّة، وصوتٌ لم ينحنِ، وجسدٌ واجه القهر واقفاً حتى اللحظة الأخيرة. امرأة لم تساوم، لم تُهادن، ولم تخشَ أن تكون في الصفوف الأولى، حيث تصبح الكلمة موقفاً، والموقف حياةً أو موتاً. أيُّ خسارةٍ هذه التي لا تُقاس؟ وأيُّ فراغٍ يخلّفه غياب من كانت تُشعل المعنى في العتمة؟
وحتى في غيابها، تعود مزن، تلك الثورية الشامخة، عبر من يعددون مآثرها. يعود صوتها بعد الموت، وهي التي لم تسمح له أن يخفت في الحق خلال حياتها. يعود صوتها في مواجهة رئيس لجنة التحقيق في الاعتصام نبيل أديب، حين يُطرح خطاب التبرير، فترد الحقيقة بوضوح: “الجنجويد ما كتلونا مزاج”، بل “كتلونا بجهاز الدولة وبعربات الدولة، والمسؤولية ليست فردية، بل تقع على عاتق من أمرهم بذلك.”
تعود مزن من غيابها في حزن الأصدقاء، وفي الحروف التي كتبتها، وفي أثر خطواتها الواثقة، وفي صدى ضحكتها الودودة. وتبقى بصوتها الواضح الرافض لتمدد القهر، المؤمن بأن الثورة يمكن أن تستمر وتنتصر.
ويا مزن… مثلك لا يُحفر له قبر. ارقدي كالماء في جسد النيل، حرةً كما كنتِ دائماً

زر الذهاب إلى الأعلى