الأعمدة

حضور القوى المدنية وامكانية التأثير .. رؤية استشرافية حول مؤتمر برلين حول السودان 2026

د. حاتم طه يكتب..
حضور القوى المدنية وامكانية التأثير ..
رؤية استشرافية حول مؤتمر برلين حول السودان 2026
كيف يمكن تحويل الحضور المدني في مؤتمر برلين حول السودان 2026 إلى أثرٍ فعليّ على أطرافٍ تحمل السلاح وتبسط سلطانها على الأرض؟
ذلك هو السؤال الذي يراود أذهان جميع الأطراف، مدنيةً كانت أم عسكرية… وما عداه ظلالٌ تميل حيث تميل شمس اللحظة، لا حيث يستقر المعنى.
فالمدنيون، كما أشار عبد الله حمدوك، لا يملكون السلاح ولا أدوات الحسم، ولا ناصية القوة التي تُعيد رسم الخرائط بحدّ النار والموت. غير أن التأثير لا يُقاس دومًا بما في الأيدي من بنادق، بل بما في العقول من أفكار، تصوغ معادلات تُلزم الآخرين، وتُضيّق عليهم سُبل الإفلات.
غير أن هذا الحضور المدني نفسه، الذي يُعوّل عليه البعض، لا يأتي في فراغ؛ بل في سياقٍ يختلط فيه الأمل بالشك. فثمة من يرى – كما عبّر الشفيع خضر سعيد – أن مثل هذه المؤتمرات قد تنتهي إلى تكرار التوصيات البراقة ذاتها، التي تذروها رياح التنفيذ العثراء، ما لم تُسنَد بآليات حقيقية تُجبر الأطراف على الانصياع والتنفبذ.
من هنا، فإن أولى معادلات التأثير تبدأ من الداخل لا الخارج:
أن يتحول الحضور المدني من جزرٍ متفرقة، إلى مرجعيةٍ سياسيةٍ تستمد شرعيتها من الاعتراف الدولي؛ مرجعيةٍ لا يمكن تجاوزها دون كلفة، ولا القفز فوقها دون ثمن. عندها، يتبدل ميزان السؤال: ليس من يملك الأرض بالقوة، بل من يملك الشرعية التي سيُبنى عليها مستقبل بلدٍ تمزّق ولا يزال ينزف.
أما المعادلة الثانية، فتنبع من قلب المأساة نفسها: المسار الإنساني. ففي حربٍ يُتَّخذ فيها الغذاء والدواء سلاحًا، تستطيع القوى المدنية قلب المعادلة إذا ما أصبحت جزءًا من آليات توصيل الإغاثة وتدفقها تحت إشراف دولي. هنالك، لا يعود دورها إغاثيًا فحسب، بل تصبح شاهدًا على عدالة التوزيع، وميزانًا أخلاقيًا ضاغطًا: إمّا انسياب العون للمستحقين، أو انكشاف العرقلة بما يستتبعها من عزلةٍ واتهامات وعقوبات.
وتأتي المعادلة الثالثة في توحيد الصوت المدني؛ وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فبينما أفرزت اللقاءات التحضيرية في أديس أبابا قدرًا من التوافق في الحد الأدنى، فإن مشهد التمثيل ظل غير مكتمل، مع غياب بعض الشخصيات المؤثرة. هذا الغياب لا يمكن قراءته دائمًا بوصفه انسحابًا، بل قد يكون – في بعض حالاته – جزءًا من توزيعٍ محسوبٍ للأدوار؛ بحيث يتقدم الصف الثاني لتأمين مساحة التوافق، بينما يُؤجَّل حضور القيادات ذات الثقل إلى لحظةٍ أكثر تأثيرًا، كما في مؤتمر برلين حول السودان 2026، حيث تُصاغ الرسائل النهائية وتُعرض أمام الفاعلين الدوليين. ففي السياسة، ليس كل غيابٍ فراغًا… بل قد يكون تموضعًا يسبق الظهور.
ثم تتبدى معادلةٌ أكثر خفاءً وأعمق أثرًا: النفاذ إلى التباينات الكامنة داخل الكتل المسلحة. فهذه القوى، مهما بدت متماسكة، إنما تقوم على طموحات ومصالح متعارضة وحسابات متباينة. ووجود مرجعيةٍ مدنيةٍ مسنودةٍ بشرعية دولية قد يفتح في جدرانها شقوقًا، تدفع بعض مكوناتها إلى مراجعة الكلفة، والبحث عن مخرج.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا ينبغي تجميلها:
لن يُنهي مؤتمر برلين حول السودان 2026 هذه الحرب… كما لم تفعل من قبله مؤتمرات أخرى انعقدت على تخوم الكارثة.
لكنه، إن أُحسن توظيفه، قد يُبدّل شروط استمرارها.
فالمدنيون لا يملكون فرض السلام بالقوة، لأنهم قوى سلمية بطبيعتها، لكنهم يملكون – إن أحسنوا توظيف هذا الحضور – أن يرفعوا كلفة الحرب، وأن يجعلوا المضي فيها أثقل، والخروج منها أقرب.
وهنا، فقط، يغدو الحضور مسارًا… لا لحظة عابرة.

زر الذهاب إلى الأعلى