الأقتصاد

رفع الدولار الجمركي… إعلان جديد لانهيار الاقتصاد السوداني في ظل الحرب

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع يترنح الاقتصاد السوداني تحت وطأة حرب مدمرة وانهيار مؤسسي غير مسبوق.
جاء قرار رفع الدولار الجمركي من 2,827 إلى 3,222 جنيهاً ليكشف مجدداً عن عمق الأزمة وفقدان سلطة الأمر الواقع القدرة على إدارة سياساتها النقدية.
يأتي هذا القرار بالتزامن مع قفزة قياسية للدولار في السوق الموازي متجاوزاً حاجز 4 آلاف جنيه ليصل إلى 4,150 جنيهاً ما يعمق الفجوة بين السعر الرسمي والفعلي للعملة.
هذه التطورات ليست مجرد أرقام في جداول اقتصادية، بل مؤشرات خطيرة وكارثية على فقدان السيطرة الكاملة على أدوات الاقتصاد، وإعلان جديد لانهيار متسارع يدفع المواطن السوداني وحده فاتورته من عرقه وقوت أبنائه.
ما هو الدولار الجمركي
لتوضيح الرؤية يعتبر الدولار الجمركي سعر صرف إداري تحدده الحكومة لاستخدامه حصراً في حساب الرسوم الجمركية على السلع المستوردة بغض النظر عن سعر الصرف الحقيقي في السوق.
يُعد هذا السعر سعراً “مصطنعاً” لا يعكس قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية في الواقع الاقتصادي، بل هو أداة جبائية تستخدمها الحكومة لتحديد الإيرادات الضريبية المستحقة على الواردات.
الدولار الجمركي في جوهره انعكاس موثق لفشل سياسة سعر الصرف الموحد، وآلية تعترف ضمنياً بوجود اقتصاد ثنائي المسار، مسار رسمي تتحكم فيه الحكومة بأسعار لا تعكس الواقع، ومسار مواز تحكمه قوى السوق الحقيقية.
دوره وأهميته
يهدف الدولار الجمركي إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية هي حماية الإيرادات الحكومية من تقلبات سوق الصرف، والتحكم في أسعار السلع المستوردة عبر استخدام سعر مستقر للجمارك، والحد من تأثير تقلبات السوق على الموازنة العامة.
لكن عمليا في السودان طوال العهد البائد لنظام الأنقاذ ومن بعدها حاليا سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، تحولت هذه الأداة إلى عبء إضافي على المواطن والمستورد على حد سواء.
أصبح الدولار الجمركي أداة لزيادة الضرائب غير المباشرة بطريقة غير معلنة، إذ يعني رفعه تلقائياً زيادة في الرسوم الجمركية حتى لو ظلت قيمة السلعة كما هي.
كما ساهم هذا الإجراء في تغذية التضخم ورفع الأسعار، وعمق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي، ما دفع المزيد من المتعاملين إلى الاقتصاد غير الرسمي هربا من التكاليف المرتفعة.
اقتصادياً يؤدي هذا التعدد في أسعار الصرف إلى ظاهرة اقتصادية تسمى “التشوه السعري” (Price Distortion)، إذ يتم توجيه الموارد نحو الأنشطة غير المنتجة والمضاربة بدلاً من الإنتاج، ما يضعف كفاءة التخصيص الاقتصادي (Allocative Efficiency).
لماذا يتم استخدام الدولار الجمركي؟
يعود استخدام الدولار الجمركي في السودان إلى أزمات هيكلية مزمنة تفاقمت بفعل الانفصال والحرب. فبعد انفصال جنوب السودان في عام 2011، فقدت الحكومة عائدات النفط التي كانت تمثل نصف إيرادات الدولة و95% من صادراتها، وفقاً لتقرير البنك الدولي.
هذه الصدمة الخارجية تركت الاقتصاد السوداني بلا مورد رئيسي للعملات الأجنبية، في وقت ظل فيه الاعتماد على الاستيراد مرتفعاً بسبب ضعف الإنتاج المحلي والفساد.
ومع انهيار النظام المصرفي وفقدان الثقة في العملة المحلية، أصبح الدولار الجمركي وسيلة يائسة للحكومة لتعويض عجز الإيرادات المتزايد، بدلاً من الشروع في إصلاحات هيكلية تعالج جذور الأزمة.
يشير صندوق النقد الدولي إلى أن العجز المالي في السودان تفاقم بشكل حاد، إذ تعتمد الدولة الآن بنسبة تزيد عن 60 % على الإيرادات الضريبية والجمركية لتغطية نفقات الحرب وتسيير الأعمال، مع توقف شبه كامل لقطاع الصادرات والخدمات.
السودان الأسوأ اقتصاديا
لجأت دول عديدة عانت من تشوهات في سعر الصرف أو نقص حاد في العملات الأجنبية إلى استخدام آليات شبيهة للدولار الجمركي، مثل مصر قبل تحرير سعر الصرف، ولبنان خلال انهياره المالي، وفنزويلا في ذروة أزمتها النقدية.
لكن القاسم المشترك بين جميع هذه الحالات هو أن الدولار الجمركي أو ما يعادله لم يكن سوى عرض لأزمة أعمق وليس حلاً لها.
في معظم التجارب السابقة، إما أن يتم إلغاؤه عند الانتقال إلى سعر صرف موحد، أو يتحول إلى أداة فساد تسمح بالتهريب والتلاعب، ما يزيد من تشوه الاقتصاد.
رصد السوق الأسود للعملة في السودان
في غياب سعر صرف موحد وشفاف، أصبح السوق الموازي “الأسود” هو السعر الحقيقي الوحيد الذي يعكس قيمة الجنيه السوداني، والمرجع الفعلي للمستوردين والتجار في تسعير سلعهم. الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي ليست جديدة، لكنها اتسعت بشكل خطير خلال الحرب الحالية.
في العام 2025، كان الفارق كبيراً، لكنه قفز في عام 2026 ليتجاوز سعر الدولار في السوق الموازي 4,000 جنيه بينما بقي السعر الرسمي منخفضاً نسبياً.
هذه الفجوة تعني فقدان الدولة السيطرة على السياسة النقدية، وتشكل حافزاً قوياً للمتعاملين لتجنب القنوات الرسمية واللجوء إلى الاقتصاد الموازي، ما يوسع دائرة اقتصاد الظل ويحرم الخزانة العامة من عوائد كان يمكن تحصيلها.
الانهيار الاقتصادي في ظل الحرب
الحرب الحالية لم تخلق أزمة السودان الاقتصادية وحسب بل عمقتها إلى مستويات غير مسبوقة.
وفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في مايو 2025، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 29.4% في عام 2023 وبنسبة إضافية قدرها 14% في عام 2024، وهو أحد أشد الانكماشات الاقتصادية في التاريخ الحديث.
وتسببت الحرب في مقتل أكثر من 61,000 شخص في ولاية الخرطوم وحدها بين أبريل 2023 ويونيو 2024، وتشريد 12.9 مليون شخص.
كما انهارت إيرادات الحكومة من 10% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 إلى أقل من 5% في عام 2024، وقفز التضخم إلى 170% سنوياً في عام 2024 قبل أن يتراجع قليلاً إلى 78.4% في يوليو 2025. والأكثر خطورة أن نسبة الفقر المدقع ارتفعت من 23% إلى 59% بين عامي 2022 و2024.
في هذا السياق، يأتي رفع الدولار الجمركي ليس كإجراء تقني بل كضريبة جديدة على مواطن منهك أصلاً.
ماذا يعني رفع الدولار الجمركي الآن؟
القرار يحمل في طياته آثاراً مدمرة على الاقتصاد والحياة اليومية، ويمكن تحليل فشله من منظور “منحنى لافر” (Laffer Curve) الذي يرى أن زيادة معدلات الضرائب فوق حد معين تؤدي لنتائج عكسية وتناقص في الإيرادات، كما تؤدي إلى تضخم التكاليف (Cost-Push Inflation) بمعني زيادة مباشرة في أسعار جميع السلع المستوردة، من الغذاء والدواء إلى الوقود وقطع الغيار.
أيضاً يسبب ذلك التضخم التراكمي (Cumulative Inflation) الذي يعني ارتفاع تكلفة الواردات وينعكس على كل حلقات السلسلة الإنتاجية، ما يرفع بدوره تكلفة المنتج النهائي حتى للسلع المحلية.
إلى جانب تسببه في اتساع الفجوة وتعميق الإعتماد على التعامل بالدولار بدلاً من تضييقها.
كما سيزيد القرار من الضغط على السوق الموازي لتدبير العملة الصعبة لسداد الرسوم المرتفعة، الأمر الذي يشجع على التهريب وتوسع دائرة الاقتصاد غير الرسمي الذي يقدره خبراء الآن بنحو 80% من حجم النشاط الكلي.
كل ما سبق يبعث رسائل سلبية للاستثمار، بمعني أن القرار يوجه رسالة للمستثمرين والتجار المحليين والدوليين بأن الدولة تتبع سياسات “رد الفعل” بدلاً من التخطيط الاستراتيجي وتعمق بذلك حالة عدم اليقين (Uncertainty) التي تدفع رؤوس الأموال للهروب إلى الخارج (Capital Flight).
اقتصاد غير رسمي
إذا استمرت هذه السياسات القائمة على الجباية دون إنتاج، فإن التوقعات قاتمة. من المرجح استمرار انهيار قيمة الجنيه السوداني، وارتفاع الدولار إلى مستويات أعلى في السوق الموازي، ما يزيد من حدة التضخم والفقر.
في أسوأ السيناريوهات، قد يتحول السودان بالكامل إلى اقتصاد غير رسمي، تفقد فيه الدولة أي دور في توجيه أو مراقبة النشاط الاقتصادي.
ويشير البنك الدولي إلى أن التعافي المستدام يتطلب استئناف مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، والحفاظ على سعر صرف موحد، وإزالة الحواجز أمام التجارة المحلية والأجنبية.
وهذه إصلاحات تتطلب وقف الحرب والانتقال إلى نظام سياسي يقوده المدنيون، يحظى بالثقة والاعتراف الدولي، ولا يمكن أن تقوم بها سلطة تفتقد للشرعية.

زر الذهاب إلى الأعلى